أخر المستجدات

Advertisement

التسليم المراقب بين هاجس تحقيق الأمن ومسألة التفعيل - الأستاذ جميلي عثمان، العدد 41 من مجلة الباحث، منشورات موقع الباحث


 التسليم المراقب بين هاجس تحقيق الأمن ومسألة التفعيل - الأستاذ جميلي عثمان، العدد 41 من مجلة الباحث، منشورات موقع الباحث


لتحميل العدد الذي يشمل المقال بصيغة pdf الرابط أذناه:







 

     الأستاذ جميلي عثمان 

       باحث في سلك الدكتوراه - جامعة سيدي محمد

بن عبد الله فاس

   التسليم المراقب بين هاجس تحقيق الأمن ومسألة التفعيل

La livraison maîtrisée entre le souci de sécurisation et la question de l'activation

 مقدمة:

تشكل الجريمة تحديا قانونيا، وأمنيا، اقتصاديا وإجتماعيا لمختلف دول العالم، مهما تباينت درجة تقدمها، وذلك بفعل الآثار السلبية التي تحدثها نتيجة الارتباط اللصيق لهذا النوع من الإجرام، بكل مظاهر التقدم اليومي للمجمعات، وارتباطه كذلك بأنماط عديدة للإجرام المنظم.

      وإزاء هذا التطور في ارتكاب الجريمة، أصبح الكشف عن الجناة أمرا عسيرا بالبحث حول المجرمون الإمكانيات الناتجة عن التقدم العلمي و التكنولوجي الذي عرفته البشرية إلى وسائل لتحقيق البرامج والخطط الإجرامية، ودخلت بذلك الجريمة مرحلة جديدة ومتطورة تتميز بالسرعة و الفعالية وطمس الأدلة.

      وفي هذا الإطار تدخل المشرع في وقت ليس ببعيد بسن مقتضيات قانونية تتلاءم مع الظروف الراهنة التي تفرضها الجريمة حتى تساير التطور الذي تعرفه. من خلال تقنيات خاصة كما هو الشأن بالتسليم المراقب([1]).

     فالتسليم المراقب يهدف إلى تحقيق نتائج ايجابية ومتكاملة متمثلة في التعرف على الوجهة النهائية للشحنات التي تحتوي على مواد غير مشروعة وضبط الأشخاص المتصلين  بها.

        وعموما على أية، فإذا كانت الأصل أن وسائل البحث العادية هي مستعملة و البحث و التحري في الجرائم وكشف مرتكبيها، فقد تطور الوضع وأصبح من اللازم استعمال تقنيات الخاص. مع العلم ان هذه التقنيات خاصة التسليم المراقب فقد شكل ثورة في الساحة التشريعية الدولية على أساس أن بعض الاتفاقيات لم تفرد له أحكاما خاصة او أي شيء من هذا القبيل([2]) .

      وقد استعمل مفهوم التسليم المراقب مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات و المؤثرات العقلية لسنة 1988، وهو ما كلف المغرب أن ينتظر أزيد من 23 سنة للتنصيص على مكافحة جرائم الاتجار في المخدرات بذلك الأسلوب ضمن الإجراءات الخاصة المدرجة في القانون الداخلي، وقد تم ذلك بمقتضى القانون رقم 13-10 المؤرخ في سنة 2011 لمكافحة جرائم غسل الأموال.

        الأهمية النظرية وتتجلى أهمية الموضوع النظرية في الرغبة الكبيرة للمشرع المغربي و مسايرته للتطورات التي تعرفها الجريمة ، من خلال التنصيص على نصوص قانونية تؤطر التسليم المراقب  بمقتضى الفصول 1-82 و مكرر2 ومكرر 3 ثم المادة 749 مكرر 1 ومكرر2 من قانون المسطرة الجنائية ، نظرا لمل له من ايجابيات تغنيه على التعريف، خاصة في الوقت الحالي الذي يعرف تزايد في الخطورة الإجرام، إذ أصبح يهدد الأمن القانوني و الاجتماعي و الاقتصادي  والاستقرار الدولي عامة، مما حتم الأمر أن نتجاوز الأساليب التقليدية لمواجهة الجرائم التي تتسم بالخطورة.

        أما الأهمية العملية فيها تتجلى في الوضع الراهن الذي تعرفه تطورات الجريمة في على مستوى العالم ، حيث أصبحت آلية التسليم المراقب تتسم بالفعالية ، خاصة بفضل الأجهزة التي تتولى تطبيق النصوص القانونية التي تؤطر عملية تطبيق التسليم المراقب .

        وعلى ضوء ما سبق فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو إلى أي حد استطاعت آلية التسليم المراقب تحقيق الأمن القانوني و الاقتصادي و الاجتماعي من خلال تجاوز إشكاليته؟

وللإجابة عن هذا التساؤل ارتأينا أن نعتمد على التصميم التالي: المبحث الأول: الضوابط القانونية لتسليم المراقب وإشكالية تحقيق الأمن القانوني والاقتصادي والاجتماعي. المبحث الثاني: الإشكالات التي تحد من تفعيل التسليم المراقب.

المبحث الأول: الضوابط القانونية لتسليم المراقب وإشكالية تحقيق الأمن القانوني و الاقتصادي و الاجتماعي.

     يعد أسلوب التسليم المراقب من الآيات الناجعة لدعم مجال التعاون الدولي لمكافحة آفة الجريمة المنظمة، بوجه عام، والمخدرات، على وجه خاص. وهي نفس الاستراتيجيات التي تعمد بموجبها الدول على المستوى الأمني والقضائي، بشكل مشترك للإيقاع بالمجرمين النشيطين في تلك العملية المزمع تنفيذها من طرف العصابة الإجرامية ([3]). لذلك سوف نتطرف في المطلب الأول عن (ماهية التسليم المراقب) على أن نخصص في المطلب الثاني مدى تحقيقه للأمن القانوني و الاقتصادي و الاجتماعي.

المطلب الأول: ماهية أسلوب التسليم المراقب

       لعل الفضل في موقعة التسليم المراقب على المستوى التشريعي يرجع إلى الاتفاقيات الدولية، ونخص بالذكر اتفاقية الولايات المتحدة لمكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية، لذا فعلى ضوء هذه الأخيرة التي تشكل مرجعية للقانون المغربي سنتناول في الفقرة الأولى مفهوم التسليم المراقب، على أن نقف في الفقرة الثانية على أهم عناصره أو شروطه على أن نختم هذا المطلب على الحديث عن مسألة التنفيذ .

الفقرة الأولى: مفهوم التسليم المراقب

        لقد شاع توظيف مصطلح التسليم المراقب منذ البداية في الاتفاقيات الدولية وتحديدا مع إخراج اتفاقية الأمم المتحدة  بمكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية إلى حيز الوجود سنة 1988، حيث عرفته بمقتضى مادتها الأولى بكونه ”  أسلوب السماح للشحنات غير المشروعة من المخدرات والمؤثرات العقلية أو المواد المدرجة في الجدول الأول والجدول الثاني المرفقين بهذه الاتفاقية أو المواد التي أحلت محلها، بمواصلة طريقها إلى خارج إقليم بلد أو أكثر أو عبره أو إلى داخله، بعلم سلطاته المختصة وتحت مراقبتها، بغية كشف هوية الأشخاص المتورطين في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في الفقرة 1 من المادة 3 من الاتفاقية “.

         فبالرجوع إلى التشريع المغربي نجده أحاط التسليم المراقب بمقتضيات المواد 82 ـ 1 ومكرر 2  مكرر  3 ثم  المادة 749 مكرر 1  ومكرر 2 من ق م ج. إذ عرفته الفقرة الأولى من المادة 82 ـ 1 هو السماح بعبور شحنة غير مشروعة أو يشتبه في كونها كذلك إلى داخل المغرب أو عبره إلى خارجه، دون ضبطها، أو بعد سحبها أو استبدالها كليا أو جزئيا تحت مراقبة السلطات المختصة، بقصد التعرف على الوجهة النهائية لهذه الشحنة والتحري عن جريمة والكشف عن هوية مرتكبيها والأشخاص المتورطين فيها وإيقافهم.

       وصفوة القول يمكن إجمال أهم الخصائص والمميزات التسليم المراقب في ما يلي:

·                     التسليم المراقب هو إجراء أمني قضائي وإداري في آن واحدة، فتعمل هذه السلطات بجهودها المتظافرة ومتلاحمة فيما بينها، لأنه أي كان تنظيم الجريمة لابد كل من السلطات الأمنية والقضائية والإدارية أيضا التي تتخذ مهمة القيام بالإجراءات والتدابير اللازمة على مستوى النقطة الحدودية، كل ذلك تحت إشراف الوكيل العام بالدائرة الاستئنافية مع احترام مسألة الاختصاص المكاني.

·                     التسليم المراقب يدخل ضمن إجراءات التحقيق البالغة الأهمية للتصدي إلى عمليات الإتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية مما يساعد عن الكشف على الجرائم العابرة وطنيا وتسليم مرتكبيها.

·                     سرية إجراءات التسليم المراقب حيث بموجب قانون المسطرة الجنائية فإنه يعمل على كل ضباط وأعوان الشرطة القضائية الحفاظ على السر المهني إلى حين إتمام العملية، بالتالي فعملية التنفيذ تتم بسرية بين الدولتين أو الدول المعنية لأن أي إفصاح أو تشويش من شأنه أن يخل بالسرية مما قد ينعكس سلبا على العملية.

 

 

الفقرة الثانية: شروط تطبيق إجراء التسليم المراقب

       وبغية مكافحة استفحال خطر الجريمة عملت الاتفاقيات الدولية على مباشرة إجراء استباقي للعمل على التنويه بالعمل الدولي وقد نصت المادة 11 من اتفاقية مكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية على ضرورة مبادرة الأطراف كلما سمحت لهم النظم والقوانين اتخاذ ما يلزم من تدابير نحو استخدام آلية التسليم المراقب لترسيخ مبادئ التعاون الدولي([4])، والمغرب يعد من أبرز الدول التي تعمل على تنزيل مبادئ الاتفاقيات الدولية على مستوى تشريعاتها الداخلية وتمنحها طابع السمو،وعلى كل ما سبق وبعد استقراء المواد سابقا فإنه يتطلب توفر بعض الشروط لقبول طلب التسليم المراقب.

محل التسليم المراقب: تطلبت المادة 11 من اتفاقية 1988 أن يكون محل التسليم في الشحنات غير مشروع أو مكون من مخدرات أو مؤثرات عقلية بشتى أصنافها،هذا ما انسجم معه المشرع المغربي في المادة 82 ـ 1 حينما أقر بشكل صريح على محل التسليم ينبغي أن يكون شحنة غير مشروعة ويأخذ مفهوم الشحنة هنا بمفهومه الواسع

أن يتم الاتفاق على السماح بعبور أو دخول شحنة محملة بمواد غير مشروعة أو تلك المدرجة في الجدولين الملحقين بالاتفاقية السالفة وذلك تحت مراقبة السلطات الأمنية والقضائية وبتنسيق مع الدولة أو الدول التي هي طرف في العملية المزمع تنفيذها.

أن تكون المواد المشحونة غير مشروعة وذلك إما بطبيعتها كالمخدرات والمؤثرات والأسلحة، أو بموجب القوانين والنظم من قبيل الأشياء التي تعد حيازتها جريمة معاقب عليها قانونا.

أن تنجز العملية بشكل كامل تحت إشراف ومراقبة السلطات الأمنية والقضائية في بلد التحميل والعبور والإفراغ وهو ما جسد جوهر المراقبة وروحها.

أن تكون الغاية المتوخاة من التسليم المراقب هي الكشف عن هوية الأشخاص المتواطئين في ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في اتفاقية مكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1988 وتقديمهم إلى العدالة، وهذه العملية هي الأكثر شيوعا لكونها تجرى في إقليم دولة واحدة وجهاز أمني وقضائي واحد حيث يتيسر معه فرض عملية المراقبة وتقنية الملاحقة. ([5]

الفقرة الثالثة: مسطرة منح وتنفيذ التسليم المراقب.

     بعد مرحلة ترصد الدولة الطالبة لملابسات الشحنة والتأكد من كل ما يحيط بها تأتي مرحلة استصدار الإذن، الذي بموجبه تقوم الدولة الطالبة إما عن طريق مكتب الإنتربول الموجود ببلدها أو عن طريق ما يسمى بضباط الاتصال، الذين يتولون مهمة إحالة الطلب للسلطة المختصة بغرض دراسته لمنح الإذن بالتنفيذ، حيث بمقتضى هذا الأخير تتم العملية، وعليه فإننا سنخصص لهذا المطلب فقرتين نتناول في الأولى مرحلة استصدار الإذن، على أن نعرج في الثانية على مرحلة تنفيذه.

أولا: مرحلة منح الإذن بالتسليم المراقب.

        سنتطرق في هذه الفقرة على الجهات المخول لها صلاحية إصدار الإذن (ا) ثم نتطرق في النقطة الموالية لمصير تلك الشروط المحددة من الدولة الطالبة والقانون الواجب تطبيقه (ب)

: طلب الإذن بتنفيذ التسليم

يخضع التسليم المراقب في مجمله لأحكام تشريعية خاصة تم التنصيص عليها في قانون المسطرة الجنائية بمقتضى تعديل 13ـ 10، والذي عادة في المغرب ما يتم التوصل بطلبات التعاون الدولي الخاصة بالتسليم المراقب من مكتب إنتربول الدولة الطالبة أو ضباط اتصال تلك الدولة،حيث كانت معظم هذه الطلبات من طرف فرنسا واسبانيا ومرجع ذلك هو الاتفاقيات الخاصة التي أبرمها المغرب مع البلدين.

      وعند وصول طلب الإذن بالتسليم المراقب إلى مكتب الإنتربول الذي يوجد بالرباط تقوم مديرية الشرطة فيه بإشعار وزارة العدل والنيابة العامة المختصة مكانيا لدراسة الطلب لتأذن فيما بعد بتنفيذ عملية التسليم المراقب إذا كان لا يتنافى مع الفقرة الأخيرة من المادة 749 مكرر1.فإذا ما وافق الوكيل العام على الطلب فإنه يبلغ إلى مصالح الأمن والجمارك لتسهيل عملية المرور على أن تتكلف سلطات الدولة الطالبة بتتبع ومراقبة مسار الشحنة إلى الوجهة النهائية لها.

         بالتالي لضمان شفافية العملية يجب أن يقدم الطلب إلى الأجهزة السالفة التي تلتمس فيه المساعدة  على اقتفاء أثر شحنة غير مشروعة بغرض تفكيكها وكشف من يقف وراء ظلها، وهو ما يكلف الوكيل العام دراسة دقيقة قبل إصدار الإذن  ويرجع فيه إلى العديد من الاعتبارات التي ينبغي التأكد منها بشكل مسبق من قبيل عدم المساس بسيادة المملكة أو النظام العام وغيرها من الأمور التي قد تطرأ وتنعكس بشكل سلبي على البلد وهو ما يجد مستنده في المادة 749 ـ 1.

أ‌-                     القانون المطبق لأسلوب التسليم المراقب

     وتجدر الإشارة إلى أن القانون الواجب التطبيق في عمليات التسليم المراقب هو الاتفاقيات الدولية، ما  عدا إذا كان هناك تخالف بينها وبين التشريع الداخلي للدولة أو في الحالة التي لا توجد فيها اتفاقية. فهنا تطبق مقتضيات قانون المسطرة الجنائية تطبيقا لما نصت عليه المادة 713 من نفس القانون.

      وعموما فقد تلجأ الدولة الطالبة للتسليم إلى تحديد شروط بشكل مسبق بالتالي فمصير تلك الشروط والإجراءات هو عدم سريان أثرها لأنها لا تلزم الطرف المطلوب ويمكنه ألا يأخذ بها إذا كانت تخالف مقتضياته التشريعية الداخلية مستندين في ذلك للاتفاقيات التي أبرها المغرب مع كل من فرنسا في 2008  واسبانيا في 2009.

ثانيا: مرحلة تنفيذ التسليم المرقب

     إن تنفيذ أسلوب التسليم المراقب يقتضي تعبئة أمنية وإدارية مهمة لذا فالقانون خول هذه المهمة للشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة طبقا لأحكام المادة 17 من ق م ج، فنجاح تلك العملية متوقف على نزاهة مصداقية الأجهزة المختصة لأن شأن هذه العمليات عادة ما يسبقها تخطيط وتنسيق يقتضي الحنكة والصبر وحفظ السر المهني. ([6]).

وحسب المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية فإن تنفيذ عملية التسليم تتخذ أحد الأشكال التالية:

·                     السماح بمواصلة الشحنة لرحلتها خارج البلاد أي الوجهة النهائية

·                     السماح بمرور الشحنة عبر الإقليم

·                     السماح بدخول الشحنة إلى الإقليم

     وباستنادنا على المادة 82 مكرر 1 ومكرر 2 فإنها تخول لضباط الشرطة القضائية صلاحية السماح  بعبور الشحنة أو سحبها أو استبدالها كليا أو جزئيا متوخية تحقيق نتيجة الكشف عن هوية كل الأفراد الذين كانوا وراء العملية، إذ  تقوم الأجهزة المختصة بكل التحريات الضرورية بما لا يتنافى مع القوانين الداخلية ومبادئ التعاون الدولي.

        وبعد الانتهاء من العملية، تقوم المصالح المختصة بشراكة مع نظيرتها الأجنبية بإصدار بلاغات متزامنة للإعلان عن نتائج التحريات المتعلقة بالعملية المنجزة، على أن يتم فتح مجال تبادل المعلومات بينهما ليتم فتح بحث مواز بالبلد حول باقي الشركاء والمساهمين في الجريمة الموجودين داخل الحدود الترابية للمغرب، غير أنه يتوجب على الشرطة القضائية بعد إنجاز عملية التسليم تحرير محضر أو محاضر تفصل في محتواها كل الإجراءات التي اتخذت ورفعها للنيابة العامة باعتبارها هي المانحة للإذن، فضلا على كون المحضر السالف الذي يشمل حيثيات الظروف والوقائع التي لابست العملية، ولاسيما أن المشرع المغربي  لم يحد له أي أجل معين وإنما ترك الأمر لطبيعتها (أي العملية) التي تختلف من واحدة لأخرى.

المطلب الثاني: دور التسليم المراقب في تحقيق الأمن القانوني و الاقتصادي و الاجتماعي

     شكلت الأشكال الإجرامية الخطيرة و المعقدة تهديدا لأمن الدول و استقرارها، بالنظر لاستعانتها بطرق متطورة و حديثة، يصعب على رجال القانون ورجالاته مواكبتها، مما يستلزم استحداث تقنيات بحث خاصة بهذا النوع من الإجرام ، الذي أصبح يتبنى صورا  جديدة وأبعاد مختلفة عن الصور النمطية.

      وإذا كانت فعالية التسليم المراقب يستوجب أن تحقيق الأمن الفردي و الجماعي، فإن ذلك يدفعنا إلى تسليط الضوء عن مكانة التسليم المراقبة على مستوى الأمن القانوني و الاقتصادي و الاجتماعي.

 

      الفقرة الأولى: دور التسليم المراقب في تحقيق الأمن القانوني.

      يعتبر حفظ النظام و الأمن من الوظائف الرئيسية للدولة ،و المعيار المعبر عن فكرة السيادة التي تعتبرها فقهاء القانون أحد عناصر الأساسية لوجود الدولة.

       وقد أصبحت وظيفة تحقيق الأمن قضية كبرى و هاجسا بات يشغل المجتمع الإنسان المعاصر و يطغى على اهتماماته، فالدول اليوم تتخذ لتأمينه ترتيبات وإجراءات ظاهرة و خفية، و تخصص من أجل ذلك موارد ضخمة وجهودا وطاقات هائلة.

     ولعل أجهزة العدالة الجنائية هي التي تتحمل العبء الأكبر في هذا المجال، بحيث تقوم بمهام اكتشاف الجرائم و البحث عن مرتكبها،

      ونظرا لخصوصية التسليم المراقب الذي لا يستلزم ان تكون الجريمة وقعت ، بل هو إجراء يمكن للشرطة القضائية مباشرته، عن طريق استعمال تقنيات البحث الخاصة في شكل بح استباقي  يفترض الاشتباه في شخص أو عدت أشخاص لاحتمال ارتكابهم إحدى نشاطات الجريمة المنظمة في المستقبل أو تكرار ارتكابها.

      لذلك فتحقيق الأمن هو أمر ضروري خاصة في هذا الوضع الذي يعرف العالم من تشابك الجرائم العابر للحدود، هذا ما يستلزم إجراء البحث  الاستباقي في مواجهة الجرائم.

      وعلى اية حال فالتسليم المراقب من أهم التقنيات الخاصة التي تضمن تحقيق الأمن، نظرا لما يتميز به وكذا بفضل الأجهزة التي تشرف على تنفيذه،

الفقرة الثانية: دور التسليم المراقب في تحقيق الأمن الاقتصادي.

       بدية لابد من الإشارة  إلى أنه ليس من السهل تحقيق الأمن الاقتصادي ، خاصة  مع هذه تطورات التي يعرفها العالم  تكنولوجي. فالأمن هو مطلب من أهم مطالب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فلا حياة و لا طمأنينة و لا تقدم بدون أمن.

       ويتوقف تطور وازدهار أي اقتصاد بالضرورة على الآليات القانونية  التي تحكم مختلف الأنشطة  التي تحركه، و القائمون على السياسة الاقتصادية الوطنية يسعون جاهدين إلى الرفع مستوى اقتصادنا عن طريق خلق قواعد قانونية في مواجهة التحديات العالمية الجديدة المتمثلة في ما يصطلح عليه العولمة .التي أسفر عنها  ظهور العديد من الجرائم المستمدة بالخطورة والتي تعد انعكاسا سلبيا لما حققته المجتمعات الحديثة من تقدم في مختلف المجالات ([7])..

        وطبقا للفصل 1-82 فقد اعتبر المشرع المغربي جرائم التهريب من الجرائم ذات الطابع المالي . التي تستلزم البحث فيها عن طريق التسليم المراقب . وبذلك فبالضرورة مكافحة هذا النوع من الجرائم ، لان الاستعانة بهذه التقنيات يمكننا من  الكشف عن رؤوس الأموال المتداولة والمستغلة من قبل الشبكات الإجرامية وطرق استغلالها و نطاق توظيفها ، ليتم بعد ذلك  حجزها أو مصادرتها أو تجميدها ، فيتحقق الأمن و الاستقرار الاقتصادي نتيجة للقضاء على هذه الجرائم.

الفقرة الثالثة: الدور التسليم المراقب في تحقيق الأمن في تحقيق الأمن الاجتماعي:

        إذا كان الأمن هو ذلك الإدراك الذاتي الواعي للفرد أو الجماعة و الاستقرار و عدم الخوف، فإن تحقق ذلك لا يكون إلا بالمواجهة كل ما يولد خوفا في النفوس، وليس في شك في أن هذه المواجهة تستلزم النظر إلى الأمن من المنظور الاجتماعي.

        فالأمن الاجتماعي تعبير يقصد به حالة الاطمئنان و الاستقرار و عدم الخوف سواء أكان ذلك من جانب الفرد أو كان من جانب الجماعة.

        إن الجرائم المنظمة والعابرة للحدود تفرز مخاطر و مهددات تؤثر في التنمية و الطمأنينة و تتوطد العلاقات الاجتماعية بين الأفراد ، مما يضمن ترابطه و توحده و تضامنه في مواجهة أي خطر يواجهه. ([8])

       وفي الأخير يمكن القول أن الحيلولة دون وقوع الجرائم أو الكشف عن مرتكبيها بفضل  الاستعانة بتقنيات خاصة تتسم بخصائص فعالة في البحث، يحقق الأمن الاجتماعي و يحافظ على استقرار المجتمع ، ذلك أن من بين أهداف مرتكبي الجرائم محل هذه التقنيات هو استمرار حالة اللاأمن.

المبحث الثاني: الإشكالات التي تحد من تفعيل التسليم المراقب.

     ليس من السهل تحقيق غاية المشرع في مواجهته الجريمة، و الإحساس بالأمن و الأمان، وتوطيد العلاقات الاجتماعية وتحقيق الاستقرار. نظرا لإشكاليات المتعددة التي يطرحها التسليم المراقب، لذلك سوف نتحدث عن أهم الإشكاليات التي يعرفها التسليم المراقب و تحد من فعاليته.

المطلب الأول:الإشكالات القانونية و القضائية التي تحد من تنفيذ التسليم المراقب

        لقد سمح المشرع و العديد من التشريعات بعبور شحن غير مشروعة أو يشتبه في كونها كذلك إلى داخل إقليم دولة أو عبره أو إلى خارجه دون ضبطها أو بعد سحب و استبدالها كليا أو جزئيا .ويعتبر نظام لتسليم المراقب خطوة متقدمة وأسلوب جديدا لدعم جهود مكافحة الجريمة، كالاتجار الغير المشروع في المخدرات و المؤثرات العقلية ، و الأسلحة على الصعيد الدولي ،والتغلب على صعوبة كشف جريمة غسل الأموال إلى غير ذلك من الجرائم ذات الصلة بالموضوع.

     لكن على الرغم من فعالية هذا الأسلوب إلا أن نتائجه تظل محدودة ، بسبب بعض الصعوبات القانونية و كذاك القضائية التي تحد وتزيد الأمر تعقيدا في تطبيقه، لذلك سنحاول تسليط الضوء على أهم الصعوبات حتى يتسنى من ذلك تجاوزها وتحقيق آثار ايجابية.

 

        الفقرة الأولى: الإشكالات القانونية.

     بداية ليس هناك من ينازع في القول ان بعض التشريعات لم تنص على التسليم المرقب ، وهذا إن دل على شي فإنه يدل على عدم مسايرة الدول التطورات التي يعرفها العالم في مكافحة الجريمة .

     فالتنصيص على التسليم المرقب في النصوص القانونية، أمر في غاية الأهمية في  محاولة تجاوز الخلافات التي قد تنشأ عن كل فراغ تشريعي ، كما يجب بالموازاة مع ذلك أن يكون هناك توافق و تلاؤم بين النصوص القانونية لكل من الدول التي تجيزه .

      كما أم مسألة التنصيص على العقوبات تختلف من دولة لأخرى ، مما يستوجب الأمر محاولة التوحيد لنصوص التسليم المراقب خاصة أنه يتسم في تطبيقيه عبر الحدود.خصوصا بعد إقرار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار في المخدرات  و المؤثرات العقلية التي حثت الدول الأطراف على الأخذ به.

       الفقرة الثانية: الإشكالات القضائية.

     يعتبر التسليم المراقب من أهم التدابير الفعالة التي تساهم  في كشف المشتبه فيهم، و الوقوف على التنظيم الإجرامي ثم القضاء عليه وتفكيكه من خلال ضبط رؤساء عصابات التهريب، لكن يظل القضاء هم الوجهة الحقيقة للنصوص القانونية.

    وبذلك فأهم ما يثار من صعوبات قضائية هي مسألة الاختصاص القضائي ، لأن الجريمة عرفت توسعا هاما على مستوى الجغرافي و الزمني ، مما يطرح  مشكلة أي جهة قضائية لها صلاحيات البث في هذا النوع من الجرائم التي طبق فيها التسليم المراقب.

      على أية حال ، فمن الواجب تنازل الدول عن سيادتها، لتمكين دولة  أخرى من معاقبة مواطنيها المجرمين الذين لجؤوا  إلى دولة أخرى. وهذا ما يحث عليه التعاون القضائي الدولي([9]).

المطلب الثاني: الإشكالات المالية و التنفيذية لتنفيذ لتسليم المراقب

     على غرار ما سبق ، فالتسليم المراقب دائما يكون في أمس الحاجة إلى مؤهلات مادية وكذلك أجهزة تتولى تنفيذ هذا الأسلوب ، إلا أن تبقى بعض الصعوبات التي من شأنها تقلص من فعاليته خاصة الجانب المالي وكذا التنفيذي له.

الفقرة الثانية : الإشكالات التنفيذية:

       صحيح أن تسليم المرقب يعتبر أهم التقنيات الخاصة في مواجهة الجرائم العابرة للحدود ، كما تم الإشارة إلى ذلك في العديد من الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية، لكن الأمر ليس كذلك عندما يتم تنفيذ ذلك.

       فمسألة التنفيذ التسليم المراقب تعتبر من بين الصعوبات التي تجعل العديد من الدول تتقاعس في تنظيمها لهذه الآلية، لما لها من أثار قد تمس من سيادة الدول،هذا ناهيك عن مسألة التكوين الناقص لأجهزة التي تتولى تنفيذه،

      وبذلك فمن الواجب أن تتوفر كل دول تعترف بمشروعية التسليم المراقب أن تكون مؤهلة من كل شي خاصة الأجهزة التي تتولى تنفيذ التسليم المراقب، لان هذا يشكل أهم الضمانات التي تطور تنفيذ هذه التقنية ، تتلاءم مع التطور السريع الذي يعرفه عالم الجرائم([10]).

     الفقرة الأولى: الإشكالات المالية:

        إن الجانب المالي الذي يتطلبه التسليم المراقب في تنفيذه يجعله لا يختلف عن باقي الصعوبات السابقة الذكر، فهو يتطلب تدخل العديد من الدول في عملية التنفيذ وكذلك  يحتاج إلى تكلفة مالية ، هذا بالإضافة إلى الأجور الإضافية الأجهزة التي تتولى تنفيذ، ومن هنا يطرح التساؤل ما هي الدولة التي تتحمل المصاريف؟

    لقد نصت اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الاتجار الغير المشروع في المخدرات و المؤثرات العقلية على هذه المسألة، حيث نصت على تحمل الطرف متلقي الطلب التكاليف العادية لتنفيذ الطلب ما لم تتفق الأطراف المعنية على خلاف ذلك،

     و الأمر لا يقف عن هذا الحد بل توجد بعض الصعوبات الأخرى من بينها مسألة التجهيزات المعتمد في  مراقبة الشحنات ، لذلك فمن الواجب أن تتوفر الدول على تجهيزات متطورة و خبرات في العالم التكنولوجيا حتى يتسنى من هذه العملية نتائج ايجابية و مرضية. ([11]).   

        وعلى ضوء ما سبق يتضح أن أسلوب التسليم المراقب استخدم مند مدة طويلة، وهو أسلوب فعال و ناجع في ضبط الشحنات غير المشروعة، خاصة تلك المتعلق بالمخدرات و عائدات الجريمة ، إذ يقتضي الصالح العام الأخذ به على الصعيدين المحلي و الدولي بهدف كشف الأشخاص المتورطين في ارتكاب الجرائم ،كما أنه يعد امتحانا حقيقيا تقاس به حقيقة العلاقات بين مختلف الأجهزة الوطنية ، والى أي حد وصلت إليه العلاقات الدولية.

 

 

 

 

 

لائحة المراجع:

  ب - الكتب القانونية:

v                -أحمد سقر"جرائم غسل الأموال و تمويل الإرهاب في التشريعات العربية"  المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، سنة 2016 .

v                إدريس النوازلي" الإثبات الجنائي لجرائم الأعمال بالوسائل الحديثة" جزء الأول، دار الآفاق المغربية، الطبعة الأولى، 2014،.

v                محمد عبد النباوي"تسليم المجرمين بين القانون الداخلي المغربي والاتفاقيات الدولية" مطبعة عكاظ الجديدة، الطبعة الأولى 2016، نسخة باللغة العربية.

ج- الأطروحات:

v                 يوسف علالي " الجريمة الاقتصادية- الخصوصية وإشكالية المكافحة " أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس 2014-2015.

v                نور الدين الوناني" جريمة الاتجار غير المشروع في المخدرات عبر الوطنية وحدود آليات مكافحتها دوليا- دراسة قانونية مقارنة على ضوء القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية " أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية . وجدة 2015-2014 .

v                وائل كمال محمد الخضري" الإنابة القضائية الدولية وأثارها على العدالة الجنائية" دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع_ الرباط، الطبعة الأولى، 2016 .

و- المقالات و المجلات القانونية:

v                حسن ادريبلة" الجريمة المنظمة عبر الوطنية وغسل الأموال أية أهمية" مقال منشور بمجلة الشرطة عدد 32 يونيو 2019،

v                أحمد بوصوف" التسليم المراقب بين الاتفاقيات الدولية والقانون الوطني، دراسة مقارنة" مقال منشور بمجلة الشرطة العدد 92 بيوليوز 2018.

v                -يونس الرحالي" تقنية الاختراق بين تطوير الآليات البحث عن الجرائم وضمانات المشتبه بيهم" مجلة الشرطة، عدد 18عشت 2016

ر- النصوص القانونية :

v                قانون المسطرة الجنائية

v                اتفاقية لاهاي لسنة 1912 واتفاقية جنيف الأولى سنة 1925 و الثانية سنة 1931 و الثالثة في سنة 1936، البروتوكول نيويورك في سنة 1953 و الاتفاقية الموحدة للمخدرات سنة 1961، و البرتوكول باريس لسنة 1948



([1])-يوسف علالي " الجريمة الاقتصادية- الخصوصية وإشكالية المكافحة " أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس 2014-2015. ص 7.

([2])-خاصة اتفاقية لاهاي لسنة 1912 واتفاقية جنيف الاولى سنة 1925 و الثانية سنة 1931 و الثالثة في سنة 1936، فضلا عن البروتوكول نيويورك في سنة 1953 و الاتفاقية الموحدة للمخدرات سنة 1961، و البرتوكول باريس لسنة 1948 كل هذه الاتفاقيات و البروتوكولات لم تنظم التسليم المراقب.

([3])- حسن ادريبلة" الجريمة المنظمة عبر الوطنية وغسل الأموال أية أهمية" مقال منشور بمجلة الشرطة عدد 32 يونيو 2019،ص38

([4])-  محمد عبد النباوي"تسليم المجرمين بين القانون الداخلي المغربي والاتفاقيات الدولية" مطبعة عكاظ الجديدة، الطبعة الأولى 2016، نسخة باللغة العربية، ص 90.

([5])-  أحمد بوصوف" التسليم المراقب بين الاتفاقيات الدولية والقانون الوطني، دراسة مقارنة" مقال منشور بمجلة الشرطة العدد 92 بيوليوز 2018، ص35.

([6])-   أنظر الفقرة الأخيرة من المادة 82 ـ 2 من ق م ج المغربي.

([7])-إدريس النوازلي" الإثبات الجنائي لجرائم الأعمال بالوسائل الحديثة" جزء الأول، دار الآفاق المغربية، الطبعة الأولى، 2014، ص 18.

([8])-يونس الرحالي" تقنية الاختراق بين تطوير الآليات البحث عن الجرائم وضمانات المشتبه بيهم" مجلة الشرطة، عدد 18عشت 2016، ص 26.

([9])-وائل كمال محمد الخضري" الإنابة القضائية الدولية وأثارها على العدالة الجنائية" دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع_ الرباط، الطبعة الأولى، 2016 ص:137

([10])- نور الدين الوناني" جريمة الاتجار غير المشروع في المخدرات عبر الوطنية وحدود آليات مكافحتها دوليا- دراسة قانونية مقارنة على ضوء القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية " أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية . وجدة 2015-2014 ص: 249.

([11])-أحمد سقر"جرائم غسل الأموال و تمويل الإرهاب في التشريعات العربية"  المؤسسة الحديثة للكتاب، لبنان، سنة 2016 ص: 202.


إرسال تعليق

0 تعليقات