آخر الأخبار

Advertisement

الاهتمام الإنمائي في الاقتصاد الإسلامي - الأستاذ اشريف أحمد المختار- العدد 49 من مجلة الباحث - منشورات موقع الباحث القانوني - تقديم ذ محمد القاسمي


 الاهتمام الإنمائي في الاقتصاد الإسلامي - الأستاذ اشريف أحمد المختار- العدد 49 من مجلة الباحث - منشورات موقع الباحث القانوني - تقديم ذ محمد القاسمي


لتحميل عدد المجلة الذي يتضمن المقال بصيغته الرقمية pdf الرابط أذناه:


https://www.allbahit.com/2022/12/49-2022-30-pdf-httpsdrive.html




الأستاذ اشريف أحمد المختار

 باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس الرباط

 - المملكة المغربية

   الاهتمام الإنمائي في الاقتصاد الإسلامي

 Development interest in the Islamic economy

ملخص:

يتناول هذا المقال موضوع الإنماء في الاقتصاد الإسلامي، وسنحاول تبيين الأهمية  البالغة التي  أولاها علماء الأمة الإسلامية لهذا المجال، وذلك انطلاقا من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، لأن هذا الدين يحث ويجازي المسلم على النشاط الاقتصادي وانطلاقا  من هذا فقد كان  لعلماء المسلمين السبق  المطلق لقضية الاهتمام بهذا المجال، كما سنوضح في ثنايا المقال، لأن حضارتهم بدأت مليئة بأشكال الإنماء الاقتصادي وتطويره، حتى بلغ أوجه حيث تطورت الصناعات بكل أشكالها وعلى جميع الأصعدة في كل أنحاء البلاد وكان ذلك خلال فترة الازدهار الذي أقامته الحضارة الإسلامية خلال قرون متواصلة .

ولما لهذا المجال من أهمية ودور بارز في تقدم الأمة وازدهارها، فقد اخترته ليكون عنوانا لسلسة مقالات تغوص  في الموضوع عساها تنير الدرب للمهتمين، حتى يتبين للغير شمولية الاقتصاد الإسلامي وأنه ليس بمنأى عن مستجدات العصر، وأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.

مقدمة:

لا يخفى على أحد أن الإسلام رسالة جاءت لجميع العالمين وخاتما لما قبله. وانطلاقا من ذلك جاء متناولا لحياة البشر على جميع الأصعدة، سواء  روحية كانت أو مادية. فهذا الدين لم يكن  أبدا مجرد عقيدة بل هو شامل لجميع الحياة سياسية ـاقتصادية ـاجتماعية في تنظيم لنواحي حياة البشر. وتجسد الأمر في أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله ،فهو الله صلى الله عليه وسلم لم يكن واعظا فقط  بل حاكما على دولة تنفذ في دولة  أسسها هو وأصحابه .

و تعبير باصطلاح جاء بلفظ (الإسلام عقيدة وشريعة دين ودنيا) وذلك ما جعلني أجزم أن الفكر الاقتصادي الإسلامي  قديم بقدم رسالته، لأن الإسلام محيط بشتى أنواع الحياة. لذا  من الطبيعي أن يساهم أصحاب  المفكري الإسلامي في إثراء دراسات اقتصادية، وخاصة الإنمائية منها[1] بإفراد مؤلفات تخص التنمية[2].

وبالنظر لما سبق فبإمكاني القول بأن فكر الإقتصاد الإسلامي كان استجابة ضرورية لفهم الإسلام، والوقوف عند هديه في كل المجالات والتي بلا شك منها مجال الإنماء في الاقتصاد.

وقد نشأت هذه الفكرة بداية  في حضن الفقه والتفسير ، فعندما نجد علماء من أهل التفسير يبينون جوانبا متعلقة بالتنمية وهم بمعرض تفسير بعض الآيات القرءانية يتضح لنا، نوع الاهتمام عندهم بهذا الجانب، إن ما يهمني هنا في هذا المقال هو إبراز اهتمام المتقدمين من العلماء بالقضية، لكنها كانت بعبارة عمارة الأرض لقوله تعالى <هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها>[3]. أي بمعنى كلفكم بعمارتها [4]

ولفظ عمارة الأرض اصطلاح مشتمل على مضمون التنمية الاقتصادية وزيادة ، فنرى عليا كرم الله وجهه يقول في كتابه إلى أحد ولاته بمصر (واليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج من غير عمارة أخرب البلاد ).

وقد جعل عمر رضي الله عنه مهمة ولي الأمر في عبارته المعروفة (إن الله قد استخلفنا على عباده لنسد جوعهم ونوفر لهم حريتهم فإن لم نفعل فلا طاعة  لنا عليهم ).

مما شك فيه أن تأمين معاش الناس هو أساس الحكم وهو ما يعرف باصطلاح  القدامى بضمان حد الكفاية [5].

وبالنظر إلى هذا المنطق جاء القرءان العظيم في البداية واضعا حكام المسلمين وعلمائهم والأمة جمعاء على الطريق الصحيح لأجل تحقيق ذاتهم كي يكونوا كما أراد الله لهم خلفاء الأرض.

ومن هنا تحقق للمسلمين التقدم والانطلاق ماداموا  ملتزمين بذلك، وانتكسوا يوم تخليهم عنه .[6]

ومع انتشار الإسلام واتساع الفتوحات وكثرت النشاط الاقتصادي وتعدد أشكاله أنجز المسلمون انجازات عظيمة للحضارة في جميع المجالات الاقتصادية ..

فعلى سبيل المثال، لا حصر، وبإرادة بلا نطير كان باستطاعتهم في العهد الأول لظهور بداية الإسلام أن طوروا نظامهم المالي، عندما أوجدوا الميزانية والضرائب ومؤسسة بيت المال، كذلك  استخدموا الدواوين وسكوا النقود، وجعلوا المعاملات بالصكوك وبالسندات وظهر أهل المحاسبة ،وما رسوا نوعي الصناعة تعدينا وتحويلا فكان استخراج أنواع المعادن والأملاح والذهب والفضة والجواهر والرصاص والنحاس واللؤلؤ والزئبق والفحم .

وقاموا بصنع أنواع النسيج من حرير وصوف وكتان ..

كذلك كانت صناعة أجهزة علمية للرصد الفلكي والكيمياء والجراحة، وصناعة أنواع السلاح والعتاد والسفن ، أما فيما يخص المجال الزراعي فقد اشتهروا بأنظمة الري بأنواعها من قنوات ونحوها .

بالإضافة إلى ما سبق فقد تبوأت التجارة عند المسلمين المكان الأول في التجارة العالمية، وكانت الأسكندرية وبغداد هما اللتان تحددان الأسعار للعالم [7].

وبتتبع هذا النشاط الاقتصادي الفريد كانت الأفكار تتدفق اقتصادا وتنمية انطلاقا من الشريعة الإسلامية .

وكانت مؤلفات الفقهاء تتزايد على مدى الدهر،  فلم ينقطع عطاء الأمة الإسلامية في هذا النوع إلى يوم الناس هذا، فقد بدأت المؤلفات من الإمام أبي حنيفة المتوفى عام (150ه)ومالك المتوفى عام (199) الشافعي المتوفى عام (204،وابن حنبل المتوفى عام 214ه[8].

كما أن ابن حزم المتوفى 457 ألف كتابه المحلى، وكان عالج فيه التزام الدولة بضمان حد الكفاية لكل أفرادها، فتجاوز به كل الأفكار اقتصادية المتقدمة. [9]

واستمر العطاء حتى وصل نهضة الفقه الإسلامي الحديث، يتمل ذلك في مؤلفات الإمام أبي زهرة والشيخ يوسف القرضاوي في مؤلفاته [10]، وغيرهما..

وهذا المسلك نجد عليه النظريات الاقتصادية التي لها العمق الرصين، كما عند أصحاب  التفاسير مثل الطبري ، وكذا الجصاص ، والقرطبي ، وابن كثير ..

وهذه التفاسير وغيرها لا تخلوا من فكرة إنمائية . ولا شك أن استخراج أحكام من  ثنايا الكتب وجعلها أبحاثا مستقلة يوفر لدينا ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي، وهو يتضمن دراسات عميقة، سواء كان ذلك في مجال الكشف عن المبادئ الاقتصادية التي في الإسلام، أوفي مجال بيان حلول الاسلام لمشاكل العصر الاقتصادية، وكيفية إعمال مبادئه الاقتصادية .[11]

ومع تناثر أغلب الدراسات التي لها علاقة  بالاقتصاد الإسلامي في كتب الفقه والتفسير، إلا أنها توجد بعض المؤلفات الاقتصادية المستقلة بل أبعد من ذلك، حيث أن أول دراسات اقتصادية موجودة في العالم، ظهرت في ظل الإسلام كانت على يد كتاب مسلمين  منذ القرن السابع الميلادي [12]،وهذه المؤلفات بدأت بكتاب الخراج لأبي يوسف ، ثم كتاب  يحيى ابن ءادم القرشي،  كتابه الذي سماه الخراج ، وهذان المؤلفان ظهرا في القرن الثاني للهجرة ، وهما يشتملان على فكر إنمائي متقدم، وهما ما يجعلان الفكر الإسلامي أولى محاولات للبشر لإفراد الفكر الإقتصادي بتأليف مستقل ، لأنه لا يعرف العالم كتابا اقتصاديا سابق لهذين المؤلفين، وخصوصا كتاب أبي يوسف [13].

نبذة عن فكر أبي يوسف الإنمائي:

الإمام أبي يوسف هو يعقوب بن إبراهيم قاضي القضاة، في عصر الدولة العباسية في فترتها الذهبية، وهو من أكبر تلاميذة الإمام أبي حنيفة، ولد عام (113)وتوفي عام (182).

والإمام أبي يوسف هذا انفرد بشيء ما شاركه فيه أحد من المسلمين، وكان ذلك يتمثل في تقديم دراسة اقتصادية مستقلة عن الفقه الاقتصادي، إذ أفرد كتابا خاصا عن الاقتصاد هو *كتاب الخراج*.

ومن هنا فعلى يديه ظهرت أولى الدراسات الاقتصادية المستقلة في العالم [14]. وهذا الكتاب رآه الدكتور  صلاح نامق أشبه ما يكون بمؤلف *دلتون * أستاذ المالية العامة في الضرائب في القرن العشرين .[15] والواقع في كتاب الخراج أنه مهتم بشؤون الجباية والخراج كما يظهر من اسمه ،

في حين يتضح من جوهره أنه خطة للإصلاح المالي والاقتصادي، لأجل رفع من مستوى إنتاج الأمة الإسلامية، ويحقق تنميتها الاقتصادية بشكل كامل، وقد حمل في ذلك المسؤولية للكل من دولة وفرد ، مبينا أن العمل هو كل شيء وأساسه وبه يكون العمران والقوة [16].

و كتاب الخراج  متضمن مجموعة أسس رأى أبو يوسف أنها لا بد منها لأجل إقامة تنمية اقتصادية.

وقد لخصت في محاور ثلاثة .[17]

أـ سيادة العدل وتحقيق الإنصاف .

ب ـ المحافظة على الملكية الخاصة وتدعيمها .

ج ـ تدخل الدولة وقيامها بدور إيجابي في المجال الإقتصادي .

أ ــــ سيادة العدل وتحقيق الإنصاف :

قال أبو يوسف <إن العدل وإنصاف المظلوم وتجنب الظلم مع ما في ذلك من الأجر يزيد به الخراج وتكثر به عمارة الأرض والبركة مع العدل تكون ، وهي تفقد مع الجور ، والخراج المأخوذ مع الجور تنقص البلاد به وتخرب [18].

فالعدل كما يقال هو أساس الملك ، وهو أساس كل تنمية .

و للدكتور يوسف إبراهيم يوسف تعليق يقول :

<ومن هنا فإن أبي يوسف عندما يتحدث عن أسس العمارة "التنمية" وأصولها وبناؤها يستخدم تعبير "عمارة البلاد" الذي يشمل عمارات كل القطاعات فيقول <إن تجنب الظلم تكثر به عمارة البلاد > أي عمارات جميع القطاعات ، كذلك يستخدم أبي يوسف مرادفا ءاخر للرفاهية وهو ‘البركة ‘ والبركة في الفكر الإسلامي تعني الوفرة والشعور عند الإنسان بتحقيق رغباته وإشباع حاجاته، فهي ضامن لجانب من الإحساس الروحي إلى جانب الإحساس المادي، والبركة عند أبي يوسف ملازمة للعدل وتنتفي عندما يوجد الظلم [19].

وانطلاقا مما ذكرت فإن وجود العدل عند أبي يوسف يعتبر شرطا من شروط تحقيق التنمية، ويشعر البشر بالرضا، وتلك مزية تدفعهم أن يعملوا، فيحصل الإنتاج ويحصل الرفاه .

 إن للإسلام أهمية معتبرة يوليها  للملكية الخاصة، ويعتبر أنها حق مصان لصاحبه، وأن المحافظة على الملكية الخاصة ودعمها هو شرط أساسي للتنمية، ولذلك يدفع الإنسان ليبذل جهدا يوسع به ملكيته ويعمل على تنميتها، ما يجعل موارد المجتمع تساهم في التنمية، وهذا موقف أبي يوسف الذي بينه بقوله " ليس للإمام أن يخرج من يد أحد إلا بحق ثابت معروف".[20]

ومن هذا يبين أبو يوسف ويقرر :

ـــــــ عدم جواز الاعتداء على الملكية الخاصة .

ــــــ يحمل الدولة مسؤولية تدعيم الملكية الخاصة ونشر نطاقها، بأن يتم إقطاع الأرض الموات لمن يقدر على تعميرها .

فيقول :

"لا يترك الإمام ‘الدولة‘ أرضا لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى يقطعها الإمام فذلك أعمر للبلاد "[21].

فتعمر الأرض بالملكية الخاصة ، وبها تحصل التنمية عند الإمام أبي يوسف .

يرى  أبو يوسف أن تدخل الدولة عامل أساسي تحصل به التنمية وبه يزدهر الإقتصاد ويستمر .

يقول "يا أمير المؤمنين إن الله قلدك أمر هذه الأمة فأصبحت وأمسيت تبني لخلق كثير قد استرعاكم الله وائتمنك عليهم وليس يثبت البنيان إذا أسس على غير التقوى أن يأتيه الله من القواعد فيهدمه على من بناه فيه فلا تضيعن ما قلدك الله من أمر هذه الأمة والرعية فإن القوة في العمل ..وإنما يدعم البنيان قبل أن يهدم "[22].

يقول  الأستاذ الدكتور يوسف إبراهيم يوسف معلقا على هذا النص  " فمهمة الدولة في بناء المجتمع يعني تحقيق التنمية الاقتصادية ".[23]

الإمام أبو يوسف العمل عنده مربوط بالتقوى وهذه سمة من سمات الاقتصاد الإسلامي الذي أساسه على الأخلاق ومراقبة رب العالمين .

نرى كذلك الإمام محمد ابن الحسن الشيباني المتوفى عام (234هـ)يؤلف في الثلث الأول من القرن الثالث الهجري كتابه الذي يساهم في فكرة الإنماء وهو يحمل عنوان *الاكتساب في الرزق المستطاب *.

و في نفس الفترة الزمنية جاء الإمام أبو عبيد القاسم ابن سلام المتوفى عام (244هـ)،  أوسع كتاب وأكثر جمعا فيما يتعلق بالأموال في الدولة، كما توالت مؤلفات في الموضوع تحت عناوين مختلفة،

الأحكام السلطانية ــ السياسة الشرعية والحسبة ..

وفي القرن الرابع جاء الماوردي وكذلك أبي يعلى الحنبلي. [24]

والإشارة إلى محاسن التجارة لجعفر الدمشقي، والذي وجد اهتماما كبيرا لم يقتصر على المسلمين الذين اشتغلوا بالإقتصاد الإسلامي فقط ، وإنما من بعض المستشرقين الذين حرصوا عليه بشكل كبير وملح .[25]

وبما أن الدمشقي في كتابه هذا تعرض لأفكار عدة لها صلة بالتنمية سنتعرض لبعض منها بنوع من الإيجاز ، فمن الموضوعات ذات الطابع الإقتصادي التي كتب الدمشقي عنها ، هي المال وتقسيماته ـ قيمة المال ـ الحاجات وتعددها ـ الثمن ـ النقود ـ العرض والطلب ـ الملكية ـ وسائل حفظ المال .[26]

مسائل تخص المال وطرق الكسب :

يعرف المال بأنه كل ما يقتنى ،ويرى أن الأموال كلها نافعة إذا حسن تدبيرها .

وحين يتكلم عن المال يثني على  الغنى الموروث وكذلك المكتسب فبالنسبة للأول ينبؤ عن نعمة قديمة بينما الثاني ينبؤ عن همة عالية وعقل وافر ورأي كامل .[27]

ويكتسب المال عند الدمشقي بطرق متمثلة في نوعين :

أولهما: الاكتساب بالقصد والطلب:

وثانيهما: الاكتساب عن طريق المصادفة والعرض ، وهو ما يكزن من الميراث والركاز :

كما أنه تحدث عن الأموال وأنواع الصنائع وقسمها إلى نوعين :

علمية  كالفقه والهندسة .

وعملية كالزراعة والحياكة .[28]

يقول الدكتور رفعت السيد العوضي

"تتضمن الآراء التي عرفها الدمشقي نوع ريادة في تاريخ الفكر الاقتصادي ،فالمعنى الذي فهم به مصطلح الصناعة فيه نوع ريادة إنه يعتبر العلوم صناعة وهذا ما تعتبره الآن الدراسات الاقتصادية ، والدمشقي بهذا الفهم كان سابقا على عصره".[29]

قضية الإنفاق :

تكلم الدمشقي في كتابه عن الإنفاق في مواضيع كثيرة،  وكانت كتاباته عن هذا النوع على محورين :

أولهما يتعلق بالناحية الفنية والتحليلية :

ثانيهما يتعلق بالمجال الأخلاقي :

وفي تقديمه في العرض الذي ذكر نلاحظ أن المحورين متداخلين بشكل واضح، ويمكن أن نلخص ءاراءه حسب الآتي :

أ ــــ ألا ينفق الشخص شيئا زائدا على ما يكتسب، وكذلك أن لا يتساوى الإنفاق مع الدخل، بل يكون دونه ، وكان كلامه هذا حثا على الادخار .

ب ـــ أن يقتصر الإنسان في الإنفاق على حاجته، غير متعد في ذلك أهل طبقته ، أي أنه يربط الإنفاق الاستهلاكي بالحاجة، وكذلك ربط الحاجة بمستواه الطبقي .

جــ ــ يحذر الدمشقي من التقتير والسرف والبذخ،  وكذلك سوء التدبير وهذا يعني مجالي الإدخار والإستهلاك .

الدمشقي يربط إيجابيا الإنفاق مع بعض القيم كالأخلاق والقناعة وطاعة الله تعالى .

كما أنه ربط بين الإنفاق والمعصية واللؤم فربطه الاقتصاد والأخلاق سلبا كان كان أوإيجابا هي من خصوصيات تراث الإسلام التي تتعلق بالاقتصاد .

هـــ ــ له ءاراء في الاستثمار منها :

ألا يمد يده إلى ما يعجز عن القيام به كأن يشغل ما عنده في مدينة لا يقدر على عمارتها . وأن لا يشغله بشيء يتأخر خروجه ،إنه يربط الإنفاق الاستثماري بطبيعة وسرعة دوران رأس المال وبالقدرة على العمل .

ولنذكر ما قاله الدكتور رفعت السيد العوضي عن الدمشقي

*فإنه يمكن القول أن مساهمة الدمشقي تمثل أقوى مساهمة من نوعها في تراث المسلمين العلمي في الاقتصاد، وذلك حتى عصر الدمشقي أي التفوق الذي نقصده لمساهمته موضوع تحت تحفظ أن ذلك مربوط بعصره والعصور السابقة عليه .[30]

ابن خلدون ونظرية العمران :

وهذا الإسم قد أخذ مكانه من الشهرة والأهمية لا غبار عليه في تراثنا الإسلامي وشهرته هذه لم تقتصر على المجال الاقتصادي فحسب وإنما غطت مساحات كثيرة وواسعة في مجال العلوم الإجتماعية .

ولا يخفى على أحد ما لقيه ابن خلدون من كثير عناية من لدن الباحثين المتخصصين في عدة فروع معرفية وعنه عقدت مؤتمرات ، ولم يقتصر هذا على اللغة العربية فقط وإنما مساهمات جاءت في كتابات وبلغات كثيرة .

وتتضح لنا أهمية أفكار ابن خلدون إذا ما رأينا أن كتابه المقدمة ترجم إلى عدة لغات مثل اللغات الأوروبية وكذلك التركية واليابانية [31]

إن مقدمة ابن خلدون التي جاءت سنة 779هـ في القرن الرابع عشر ميلادي هي صورة مماثلة لكتاب ثروة الأمم الذي كتبه أب الاقتصاد الحديث ءادم سميث 1776م

ورغم أن ابن خلدون سبق ءادم سميث بخمسة قرون فقد بحث في مقدمته مقومات الحضارة ونشوئها وإنتاج الثروة وصور النشاط الإقتصادي ونظريات القيمة وتوزيع السكان وأنه لا يختلف الكتابان إلا اختلافا بيئيا [32]

لقد قدم ابن خلدون دراسة مستفيضة عن نمو الثروة بلغ فيها مستوى لم يسبق له مثيل أو بعبارة ابن خلدون ‘العمران؛ وهو يمثل الموضوع الرئيسي في كتاب المقدمة يتأكد هذا من عنوان الكتاب مقدمة في طبيعة العمران ، كما يتأكد من موضوعاته التي تتناول العمران بطريقة مباشرة أو غير مباشرة [33]

ولا بأس أن نورد بعض الدراسات التي تناولت نظرية النمو في مقدمة  ابن خلدون

أولا :دراسة الأستاذ الفرنسي أولف يي اكراند فيل Olivier de grandville

فقد قدم دراسة تحت عنوان ‘نظرية النمو الاقتصادي؛ويعتقد أنها أول دراسة بلغة أجنبية تخصص مساحة مميزة لنظرية اقتصادية من نظريات ابن خلدون لقد تضمنت فقرة بعنوان ‘تفسير معاصر لنظرية ابن خلدون ؛عمل المؤلف على تقديم نظرية ابن خلدون في النمو الاقتصادي في صياغة حديثة مستخدما نموذجا رياضيا وبيانيا متقدما استغرق عرض هذه النظرية الصفحات من 46إلى الصفحة 55[34]

ويرى الأستاذ اكراند فيل أن نظرية ابن خلدون تقوم على أن النمو الاقتصادي ناتج عن تفاعل خمسة عوامل هي :

1ــ النمو السكاني

2 ــ التقدم التكنولوجي

3 ــ بحث الأفراد عن الربح

4 ــ المكية الخاصة

5 ــ قوة المؤسسات السياسية والقضائية .

يقول الدكتور السيد رفعت العوضي ،  لقد استنتج اكراند فيل أن ابن خلدون قدم نظرية للنمو الاقتصادي ذات تفوق في فن التحليل قد سبق ‘سلو؛في أفكاره ومعروف أن ‘سلو؛هو اقتصادي ءامريكي أعطى مساهمات لها اعتبارها في نظرية النمو وذلك في النصف الثاني من القرن العشرين [35]

ثانيا :

دراسة الأستاذ الدكتور شوقي أحمد دنيا :

وفي دراسته التي قدمها الدكتور دنيا ، الفكر الاقتصادي في مقدمة ابن خلدون كان قد استخدم مصطلح النمو الاقتصادي للتعبير عن نظرية ابن خلدون في العمران.

ويتوصل الدكتور دنيا في الدراسة التي أعدها إلى عاملين وهما الأساسيين الذين يؤثران في النمو وهما العامل السياسي والديني :

أــ العامل السياسي :

وخلال نقاشه أبرز بوضوح بنودا أساسية لهذا التعامل جمعها في يلي :

أ ــ ضرورة العمل على إيجاد وضع أمثل للتعاون وتوزيع المهام في المجتمع.

ب ــ حماية الحقوق والممتلكات .

جـ ــ ضرورة تأمين حق الحرية لكل أفراد المجتمع .

د ــ الإستقرار السياسي .

هـ ــ حماية الوطن من العدوان الأجنبي .

وــ إيجاد هدف مشترك يؤمن به ويتكتل حوله أفراد المجتمع .

ب ــ العامل الديني :

وقد أشار الباحث إلى العامل الديني وأنه يؤثر على النمو بحيث اعتبر أن العامل العقدي هو أهم عوامل التقدم وأن السياسة الشرعية الإسلامية هي شرط لتحقيق النمو على على نحو مستقر وأن التخلي عن شريعة الإسلام سبب به يقع خراب العمران

واستنتج شوقي أحمد دنيا ، أن ابن خلدون يرى أن الدين هو العامل الأساسي القادر على تحقيق الشروط التمهيدية للتقدم[36][37].

الخاتمة:

مما ذكر سابقا يتضح لنا أن لفظ العمارة جاء بمعنى التنمية الاقتصادية ولذلك يرى بعض الكتاب الإسلاميين إن لم نقل كلهم أن الحضارة الإسلامية كان لها السبق إلى معرفة التنمية لأن لفظ العمارة يعني التنمية والنهوض بالمجتمع على مختلف الأصعدة وهذا جوهر ما تطمح إليه جميع النظريات التنموية ولذلك لفظ العمارة أكثر شمولا من التنمية  كما يرى أهل الاختصاص المعاصرون ..

ولـأن عمارة الأرض *التنمية بالمعنى الحديث*لم تكن عملا دنيويا فحسب بل كذلك جهد يعبد الله تعالى به وكل خطى الإنسان إذا كانت طاعة للعي القدير ولو كانت لأجل الدنيا وطلب الرزق تكون عبادة يرجى بها رضى الله تعالى وحسن ثوابه.

لائحة المصادر

·        محمد شوقي الفنجري: المذهب الاقتصادي في الاسلام ـالهيئة المصرية للكتاب ـ1986.

·        أحكام القرءان للقرطبي : دار المصحف بيروت ـالجزءالرابع .

·        سعيد سعيد مرطان ـ مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام ـ مؤسسة الرسالة ـط ـ2ـ 1996.

·        إبراهيم يوسف إبراهيم : استراتيجية وتكنيك التنمية الاقتصادية في الإسلام ـ اتحاد البنوك الإسلامية 1981ـ

·        صالح عبد الله كامل للإقتصاد الإسلامي جامعة الأزهر ـ 1998ـ ص ـ23.رفعت السيد العوضي: تراث المسلمين العلمي الاقتصادي.



[1]محمد شوقي الفنجري :المذهب الاقتصادي في الاسلام ـالهيئة المصرية للكتاب ـ1986ـص26.

 

[3]سورة هود الآية 61.

[4]أحكام القرءان للقرطبي :دار المصحف بيروت ـالجزءالرابع ـص ـ378.

[5]محمد شوقي الفنجري مرجع سابق ـص ـ133.

[6]نفس المرجع السابق ـ ص ـ134 .

[7]سعيد سعيد مرطان ـ مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام ـ مؤسسة الرسالة ـط ـ2ـ 1996ـ ص ـ49

[8]المرجع السابق ـ ص ـ 50.

[9] محمد شوقي الفنجري ـمرجع سابق ـص 71.

[10]إبراهيم يوسف إبراهيم :استراتيجية وتكنيك التنمية الاقتصادية في الإسلام ـ اتحاد البنوك الإسلامية 1981ـ ص 138.

[11]محمد شوقي الفنجري مرجع سابق ـ ص ـ134.

[12]إبراهيم يوسف إبراهيم ـ مرجع سابق ـ ص ـ 135.

[13]المرجع السابق ـ ص ـ134.

[14]يوسف إبراهيم يوسف ـ مرجع سابق ـ ص ـ187.

[15]محمد شوقي الفنجري : مرجع سابق ص ـ72.

[16]نفس المرجع السابق ـ ص ـ 72 ـ 73.

[17]يوسف إبراهيم يوسف ـ مرجع سابق ص 195.

[18]نفس المرجع السابق ـ ص ـ 195.

[19]المرجع السابق ـ ص ـ 196.

[20]المرجع السابق ـ ص 196.

[21]نفس الرجع السابق ـ ص ـ 197.

[22]المرجع السابق إبراهيم يوسف إبراهيم ـ  ص 198.

[23]المرجع السابق ـ ص ـ 199.

[24]نفس المرجع السابق ـ ص ـ 140.

[25]صالح عبدالله كامل للإقتصاد الإسلامي جامعة الأزهر ـ 1998ـ ص ـ23.رفعت السيد العوضي :تراث المسلمين العلمي الإقتصادي: مركز.

[26]المرجع السابق ـ ص ـ 24.

[27]رفعت السيد المرجع السابق ـ ص ـ 25.

[28]نفس المرجع السابق ـ ص ـ 25.

[29]المرجع السابق ص ـ 26.

[30]تراث المسلمين العلمي الاقتصادي ..مرجع سابق ـ ص ـ 34 .

[31]رفعت السيد مرجع سابق ـ ص ـ 42 ـ 43 ـ 45.

[32]محمد شوقي الفنجري مرجع سابق ـ ص ـ 74.

[33]رفعت السيد مرجع سابق ص ـ 77.

[34]المرجع السابق ص ـ 41.

[35]نفس المرجع ـ ص ـ 82.

[36]رفعت السيد العوضي ـ صـ 88.

 


إرسال تعليق

0 تعليقات