آخر الأخبار

Advertisement

الدعوى الناشئة عن الكمبيالة: متى تسقط؟ - الدكتورة زينة بن سعد ، العدد 46 من مجلة الباحث - منشورات موقع الباحث - تقديم ذ محمد القاسمي


 الدعوى الناشئة عن الكمبيالة: متى تسقط؟ - الدكتورة زينة بن سعد ، العدد 46 من مجلة الباحث - منشورات موقع الباحث - تقديم ذ محمد القاسمي


رابط تحميل المجلة التي تتضمن المقال بصيغتها الرقمية PDF الرابط أذناه:


https://www.allbahit.com/2022/08/46-2022-24.html




الدكتورة زينة بن سعد

قاضي بالمحكمة الابتدائية بنابل وأستاذة بكلية العلوم القانونية

والاجتماعية والسياسية بتونس

 الدعوى الناشئة عن الكمبيالة:

 متى تسقط؟

The lawsuit arising from the bill of exchange: when to drop؟

 

مقدمة:

1- الكمبيالة هي ورقة تجارية ثلاثية الأطراف و تشمل أمرا صادرا من شخص يسمى الساحب إلى شخص يسمى المسحوب و الذي عليه أن يقوم بدفع أجر لشخص ثالث  يسمى الحامل أو المستفيد الذي يستفيد عند الاطلاع أو عند موعد معين من مبلغ من المال يتفق الأطراف على مقداره.[1]

2- و من جهته عرف الفصل 269 من المجلة التجارية الكمبيالة استنادا إلى طبيعتها القانونية   و اعتبرها  عملا تجاريا مهما كان الأشخاص المتعاملون بها كما اعتبر أنها لا تكون كذلك إلا إذا احتوت على جملة من التنصيصات الوجوبية  و هي :

§       ذكر كلمة كمبيالة في نص السند باللغة المستعملة في تحريره.

§       التوكيل المجرد المطلق بدفع مبلغ معين.

§       اسم من يجب عليه الدفع (المسحوب عليه).

§       بيان أجل الحلول.

§       بيان المكان الذي يجب فيه الدفع.

§       اسم من يجب له الدفع أو من يكون الدفع بأمره.

§       بيان التاريخ و المكان اللذين انشأ فيهما السند.

§       توقيع منشئ السند (الساحب).

3- و من خلال هذا التعريف الفقهي و التشريعي نستنتج أن الكمبيالة هي ورقة تجارية يجب أن يتوفر فيها  جملة من التنصيصات الوجوبية ينطبق على أطرافها القانون التجاري مهما كان الأشخاص المتعاملون بها .

4- في المقابل أثارت الكمبيالة حبر الفقهاء و تدخل  فقه القضاء في عديد المناسبات لفض جملة من الإشكاليات التي موضوعها تلك الورقة التجارية  من ذلك السؤال حول سقوط الدعوى الناشئة عن الكمبيالة و القيمة القانونية لها بعد انقضاء آجال الدعوى الصرفية ؟

5- و نقصد بتقادم الدعوى الناشئة عن الكمبيالة مرور الزمن على الحق المتنازع حوله[2]  وهو أجل قابل للقطع و التعليق[3] بعكس السقوط الذي يعتبر مدة وضعها المشرع لممارسة حق ما و يحق للقاضي إثارته من تلقاء نفسه و هو لا يقبل القطع و التعليق.[4]

6- من المتفق عليه استنادا للتعاريف المذكورة أعلاه أن الدعوى تتقادم بمرور الزمن و تقبل القطع و التعليق إلا أن الجواب على السؤال المتعلق بآجال  سقوط الدعوى الناشئة عن الكمبيالة لا يبدو بالسهولة الكافية ضرورة أن المسألة قد أثارت اختلافا على مستوى فقه القضاء مرده الفصل القانوني المنطبق ضرورة إمكانية انطباق عدة فصول قانونية تتعلق بتقادم الدعوى الناشئة عن الكمبيالة و التي  تبدو متعارضة في مضمونها لعرضها لآجال تقادم مختلفة و لتعلقها بذات الورقة التجارية  من ذلك الفصل 335 من المجلة التجارية  و الفصل 411 من مجلة الالتزامات و العقود.

7- و قد تمخض على ذات النقاش اختلاف حول  القيمة القانونية  للكمبيالة فهناك من حددها  استنادا لطبيعة الدعوى فان كانت صرفية فيجب تطبيق آجال التقادم المنصوص عليها  بالفصل 335 من المجلة التجارية  و إن هي دعوى مدنية فان الكمبيالة تضحى سند دين مدني و تعاقدي و ينطبق عليها  آجال التقادم  المنصوص عليها بالفصل 411 من م.اع.

8- و هناك من تمسك بعدم جواز انطباق  قاعدة الفصل 411 من م.ا.ع. على اعتبار ثبوت نسخه من قبل الفصل 335 من الم التجارية  الذي يمثل قاعدة عامة تطبق على  الكمبيالة مهما كانت طبيعة الدعوى الناشئة  عنها .

9- و عليه فان الجواب عن السؤال المتعلق بآجال سقوط الدعوى الناشئة  عن الكمبيالة  سيكون فضلا عن  تدارس هذين الرأيين الاستناد إلى فقه القضاء الذي فرق بين آجال سقوط الدعوى الناشئة عن الكمبيالة تامة الشروط  (مبحث أول ) و آجال سقوط الدعوى الناشئة عن الكمبيالة الباطلة (مبحث ثاني ).

مبحث أول: آجال سقوط الدعوى الناشئة عن الكمبيالة تامة الشروط

من خلال تطبيقات فقه القضاء التونسي لكل من الفصلين 335 من المجلة التجارية والفصل 411 من م.ا.ع[5] تختلف آجال سقوط الدعوى الناشئة عن الكمبيالة تامة الشروط  بحسب طبيعة الدعوى إن كانت صرفية (فقرة أولى) أو مدنية  (فقرة ثانية) .

1-آجال سقوط الدعوى الصرفية الناشئة عن الكمبيالة تامة الشروط

1-اقتضى الفصل 335 من المجلة التجارية أن جميع الدعاوى الناشئة عن الكمبيالة و الموجهة على قابلها تسقط بمضي ثلاثة أعوام من تاريخ حلول أجل الأداء و تسقط دعاوى الحامل ضد المظهرين و الساحب بمضي عام من تاريخ الاحتجاج المحرر في المدة القانونية أو من تاريخ الحلول إذا كانت الكمبيالة مشتملة على شرط الرجوع بلا مصاريف و تسقط دعاوى المظهرين و الساحب بعد مضي ستة أشهر ابتداء من اليوم الذي دفع فيه المظهر الكمبيالة أو من يوم القيام عليه بالدعوى.

2- و من جهته اعتبر فقه القضاء أن الفصل 335 من المجلة التجارية ينطبق على جميع الدعاوى الصرفية من ذلك القرار التعقيبي عدد 60078 المؤرخ في 15 ماي 2012 و الذي أعتبر انه "يستنتج من الفصل أعلاه أن المقصود بالسقوط هو الدعوى الصرفية التي تكون فيها حجية الكمبيالة نافذة بين أطرافها و قاطعة في ثبوت المديونية و تبعا لذلك فان الصبغة التجارية تبقى ملاصقة للكمبيالة إذا ما  تمت المطالبة بقيمتها قبل ثلاثة  أعوام و تكون فيها  الكمبيالة كافية لإثبات الدين و لاستصدار أمر بالدفع ينفذ بصفة معجلة بقطع النظر عن الاستئناف   على معنى أحكام الفصل 317 من الم.التجارية."

3- و عليه فقد أضحى من الثابت أن الدعوى الصرفية تسقط بمضي ثلاثة أعوام إذا ما وجهت على قابل الكمبيالة و بمضي عام من تاريخ الاحتجاج المحرر في المدة القانونية بخصوص الحامل ضد المظهرين و بمضي ستة أشهر إذا ما تعلق الأمر بالمظهرين فيما بينهم.

4- و بناءا على ذلك فقد حدد المشرع تاريخ  سقوط الدعوى الناشئة عن الكمبيالة وفرق بينها  بناء على خصوصية كل علاقة (حامل في علاقة بقابل الكمبيالة /حامل ضد المظهرين/ الظهرين فيما بينهم )  و  استنادا إلى درجة مهنية كل طرف  مقارنة بما يدعيه الوضع التجاري و الصرفي  من ضرورة إيجاد توازن بين سرعة للمعاملات و استقرارها.

5-فضلا على ذلك فان الفصل كان دقيقا على مستوى ضبط آجال السقوط بداية ونهاية فضلا على تحديد آجال القطع و التعليق من ذلك  اعتباره انه لا تسري مدة الزمن في حالة إقامة الدعوى إلا من يوم آخر إجراء قضائي و لا ينطبق مرور الزمن إذا كان قد صدر حكم بالأداء أو اعتراف بالدين في حجة مستقلة.

6- و في المقابل فقد أكد القرار أعلاه أن أحكام الفصل 335 من المجلة التجارية تنطبق بالضرورة على الكمبيالة تامة الشروط  و يقصد بالكمبيالة تامة الشروط تلك التي استوفت جميع شروطها  أو تلك التي خلت من إحدى تلكم الشروط لكن المشرع مكنها من الحفاظ على قيمتها الصرفية   من ذلك اعتباره انه و إن خلا السند من إحدى البيانات المذكورة بالفصل 269 من المجلة التجارية  فلا تعد كمبيالة إلا في أحوال ثلاثة أولها يتعلق بغياب التنصيص على أجل الحلول حيث تعتبر واجبة الأداء بمجرد الاطلاع عليها كما انه و ان لم يعين الأطراف  مكان خاص للدفع فان المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه يعد محلا للدفع و في الوقت نفسه مقرا للمسحوب عليه و أخيرا اعتبر الفصل أعلاه أنه و إن لم يذكر بالكمبيالة مكان إنشائها يعتبر المكان المبين بجانب الساحب مكان إنشاء لتلك الورقة.

7- كذلك تعتبر كمبيالة تامة الشروط تلك التي طرأ بها تغيير ضرورة أن الأشخاص الموقعون عليها بعد التغيير هم  ملزمون بما تضمنه النص الذي تناوله التغيير و الموقعون عليها قبل التغيير يكونون ملزمون بما تضمنه النص الأصلي.[6]

8- و استنادا لما وقع بسطه فقد بات جليا أن قاعدة الفصل 335 من المجلة التجارية يمكنها أن تمثل قاعدة عامة تطبق على الدعوى الصرفية إذا ما كانت الكمبيالة تامة الشروط لكن السؤال الذي يطرح هل يمكن تطبيق نفس القاعدة على الدعوى المدنية الناشئة عن تلك الورقة بعد ثبوت سقوط آجال الدعوى الأولى ؟

 

 

 

2/ آجال تقادم الدعوى المدنية الناشئة عن الكمبيالة تامة الشروط

1- احتد الخلاف على مستوى فقه القضاء حول القيمة القانونية للكمبيالة عند استنفاذ آجال  الدعوى الصرفية فهل أنها  تفقد قيمتها كورقة تجارية  أم أنها  تبقى ذات أهمية و ماهي أجال تقادم الدعوى المدنية الناشئة عنها بصفتها تلك ؟

2- اعتبر القرار التعقيبي عدد 60078 المؤرخ في 15 ماي 2012[7]  أن أحكام الفصل 335 من المجلة التجارية لا يمكن أن تشمل إلا الدعوى الصرفية و التي تكون فيها الكمبيالة نافذة بين أطرافها و قاطعة في ثبوت المديونية و تبعا لذلك فان الصبغة التجارية تبقى ملاصقة للكمبيالة إذا ما تمت المطالبة بقيمتها قبل انقضاء ثلاثة أعوام و تكون فيها الكمبيالة كافية لإثبات الدين .

3- و من جهة أخرى فقد اعتبر ذات القرار أن الفصل 411 من م.ا.ع يتعلق بمرحلة ثانية في الكمبيالة و هي تلك التي لم تعد تصلح للدعوى الصرفية بما تنتجه هذه الدعوى من امتيازات في إثبات المؤونة و بصفة خاصة التنفيذ الذي يكون في أجل أربعة و عشرين ساعة بعد الإعلام بالأمر بالدفع و دون أن يكون للاستئناف مفعول تعليقي  و لكنها تبقى ذات حجية في النزاع المدني فتصلح الكمبيالة لأن تكون سندا في حد ذاته دون حاجة إلى تدعيمها بوسائل إثبات أخرى  فيتأسس عليها السند التنفيذي و لكن بدون الاعتبار الممنوح لها في التنفيذ بصفة مستعجلة بحكم القانون و يتم توقيف تنفيذ السند بموجب الطعن بالاستئناف .

4- و من جهته اعتبر القرار الاستئنافي الصادر عن المحكمة الابتدائية بنابل بوصفها محكمة استئناف لأحكام محاكم النواحي[8] أن غاية المشرع  من وضع  أجال سقوط مقتضبة بالمجلة التجارية  إنما هو الانتصار إلى ما تقتضيه الحياة العملية للتجار من سرعة و تغير  و لا يمكن أن تكون الغاية من ذلك الحرمان المطلق للحق و إنما هو حرمان لمميزات القانون التجاري الذي يستجيب لتلك المتغيرات و سماح بالرجوع لأحكام القانون المدني الذي يتمحص في علاقة المديونية التي أنشأت تلك الكمبيالة و يبحث في وجودها من عدمها بجل الوسائل التي أوجدها  القانون المدني  بالفصل 402 من م.ا.ع  و ما بعده.

5- و أضاف ذات القرار أن تلك المحكمة تتبنى الاتجاه القائل بان الفصل 411 من م.ا.ع لم ينسخ بالقانون عدد 129 لعام 1959 المتعلق بإدراج المجلة التجارية لأسباب أهمها أن هذا القانون لم ينص صراحة على الإلغاء أو النسخ سيما الفصل الثالث منه فضلا على أن استيعاب الفصل 335 من المجلة التجارية لأحكام الفصل 411 من م.ا.ع في غير محله قانونا طالما أن المستفيد من الكمبيالة مطالب باستخلاص الدين المضمن بها في إطار دعوى صرفية أو على أساس الدعوى الأصلية (علاقة المديونية).

6- و اعتبر أن انقضاء آجال  الدعوى الصرفية يمر حتما بمرحلتين الأولى و هو اجل الخمسة أعوام إذا تعلق الأمر بدين مدني أساسه كمبيالة حاملة لجميع شروطها الشكلية طبق أحكام الفصل 269 من المجلة التجارية و الثانية إذا ما خلت الكمبيالة من شكلياتها و انتقلت لمجرد كتب اعتراف بدين فان الأجل يصبح الأجل الطويل موضوع الفصل 402 من م.ا.ع.

7- في مقابل هذه القرارات كانت هناك قرارات أخرى[9] تتبنى و تنادي بضرورة تطبيق أحكام الفصل 335 من المجلة التجارية كقاعدة عامة لتقادم الدعوى الناشئة عن الكمبيالة لثبوت نسخ الاول لأحكام الفصل 411 من م.ا.ع.

8- و بعد بسط هذه الآراء الفقه قضائية يمكننا أن نتبنى الرأي القانوني الثاني و لنا لإثبات ذلك عدة حجج منها ما يجب أساسا له في أحكام القانون و منها ما يستمد من نقد التعليل و التسبيب التي اعتمده الرأي الأول .

9- إن الدفاع عن تطبيق أحكام الفصل 335 من المجلة التجارية كقاعدة عامة تحكم جميع الدعاوى الناشئة عن الكمبيالة يجد أساسا له في القواعد العامة للقانون من ذلك الفصل 533 من م.ا.ع الذي اقتضى أنه" إذا كانت عبارة القانون مطلقة جرت على إطلاقها" بما يسمح بفهم  أحكام الفقرة الأولى من أحكام الفصل 335 أعلاه  على انه يشمل جميع الدعاوى الناشئة عن الكمبيالة و الموجهة على قابلها طالما احتوت عباراته على العموم و الإطلاق و لم يستثن و لم يفرق بين الدعوى الصرفية و الدعوى المدنية.

10-و من جهة أخرى يمكننا أن نؤسس موقفنا هذا على أحكام الفصل 542 من م.اع[10] الذي اعتبر أنه لا تنسخ القوانين إلا بقوانين بعدها إذا نصت المتأخرة على ذلك نصا صريحا أو كانت منافية لها أو استوعبت جميع فصولها و انه و بالتمعن في أحكام الفصلين موضوع النقاش يتضح استيعاب أحكام الفصل 335 من المجلة التجارية لأحكام الفصل 411 من م.ا.ع و ذلك لثبوت صدور أحكام الفصل الأول[11] بصفة لاحقة للثاني[12] و لثبوت تنظيمه لأحكام تقادم الدعوى الناشئة عن الكمبيالة تامة الشروط[13]  و هو ما يستجيب لشروط النسخ بالاستيعاب[14] ضرورة أنه و بخلاف ما ذهب إليه القرار الاستئنافي الصادر عن المحكمة الابتدائية الذي لم يتوفق حسب رأينا في خرق قاعدة الإطلاق الذي جاء بها الفصل 335 من المجلة التجارية بأن فرق بين كمبيالة تامة الشروط و أخرى دون ذلك  و الحال أن الكمبيالة لا تنتج آثارها بصفتها تلك إلا إذا كانت تامة الشروط و أنها و إذا ما صرح القضاء ببطلانها فلا عمل عليها و يكون التقادم آنذاك مؤسسا على أحكام الفصل 402 من م.اع فضلا على أنه  و لو كانت أحكام الفصل 411 من م.ا.ع  تنطبق على الكمبيالة لانطبقت أحكام الفصل 828 و ما بعده على عقود الشغل.

11- و من جهة أخرى فلا مجال للتفريق بين دعوى مدنية أساسها الكمبيالة و أخرى صرفية لها نفس الأساس ضرورة أن التفريق بين الدعاوى يمكنه أن يِؤثر على نجاعة الكمبيالة بدليل أن تصنيفها بكونها سند صيرفي أو سند مدني تعاقدي يفقد هذا السند من محتواه و ينزع عنه تعريفه بكونه عملا تجاريا مهما كانت الأطراف المتداخلة لذلك فضلا على أن  الانتصار إلى المبادئ القانونية المستقرة هو السبيل لتحقيق الأمان القانوني و الاستقرار التعاقدي .

12-في المقابل, لا يمكن قبول ما ذهب إليه فقه القضاء من خلال التشريع لهذا التضارب الواضح بين الأحكام القانونية و هو ما يمكنه أن يؤثر سلبا على نجاعة الكمبيالة في مقابل حماية الأطراف المتداخلة من ذلك الحامل و المظهر و الساحب و الكفيل  و المسحوب عليه خاصة و أن التفريق بين كمبيالة بالمعنى الصرفي و أخرى  بالمعنى المدني لا يخدم تعريف ذلك السند بكونه عملا تجاريا مهما كان الأشخاص المتعاملون بها ضرورة أن الكمبيالة لا يمكنها أن تنتج أثارها الا اذا كانت سندا تجاريا أما اذا انقضت الدعوى الصرفية التي تأسست عليها فلا يمكن للكمبيالة أن تنتج اثارها بصفتها تلك بل بصفتها سند مدني تعاقدي يمكنه أن يرتقي لمرتبة الحجة الرسمية إذا امضي من المدين  أو إلى بداية حجة إذا خلت تلك الورقة من شروطها الجوهرية.

13- و بالإضافة إلى ما سبق بسطه فان التمييز بين أمر بالدفع على معنى أحكام الفصل 317 من المجلة التجارية و أمر بالدفع على معنى أحكام الفصل 59 من م.م.م.ت يمكنه أن يعمق التضارب ضرورة أن الأمر بالدفع لا يمكنه أن ينشأ إلا على أساس كمبيالة تامة الشروط[15] و إذا ما فوت الحامل آجال الدعوى الصرفية أو خير القيام مدنيا فان الأمر بالدفع على معنى القانون المدني لا يمكنه أن يكون مؤسسا على الكمبيالة بالمعنى الصرفي بل على أساس انه سند دين تعاقدي معين المبلغ يصنف بكونه حجة رسمية على معنى الفصل 449 من م.ا.ع[16] ضرورة ان الفصل 317 جاء لتدعيم الفصل 59 على مستوى التنفيذ و على مستوى الاستئناف دون وجوب قراءة كل فصل على حدة.

14- و بهذه الطريقة التي يمكننا أن نكون أمناء مع التعاريف القانونية و التصنيفات الفقهية المستقر عليها كما  يمكننا أن نتجاوز عدم حرص المشرع في كل مرة على تحقيق التجانس بين الأحكام القانونية السابقة و اللاحقة العامة منها و الخاصة.

15- و بناءا على ذلك فان الدعوى الناشئة عن الكمبيالة تتقادم بمضي ثلاث سنوات لا غير و إذا ما وقع القيام مدنيا فان هذا السند يتجرد من تصنيفه ككمبيالة لكنها تحافظ على  حجية مطلقة كسند دين مدني و تعاقدي يرتقي لمقام الحجة الرسمية اذا حضي بالقبول من المدين و له مقام الحجة غير الرسمية في غير تلك الصورة  و تتقادم الدعوى في هذه الحالة بناءا على شروط أحكام القانون العام[17] و لمزيد تدعيم ما تقدم نذكر القرار التعقيبي المدني عدد 25995 المؤرخ في 23 ماي 2009

الذي اعتبر أنه و لئن اقتضت أحكام الفصل 335 من المجلة التجارية في فقرته الأولى أن جميع الدعاوى الناشئة عن الكمبيالة و الموجهة على قابلها تسقط   بمضي ثلاثة أعوام من تاريخ حلول أجل الأداء فان تطبيق أحكام مرور الزمن التجاري يقتضي أن تكون هناك كمبيالة صحيحة مستوفية لكامل شروطها لازالت قائمة الذات ذلك أن مرور الزمن التجاري ينطبق على الدعاوى المتعلقة بالتزامات صرفية أي أن تكون الدعوى موضوع المطالبة أساسها الالتزامات المرتبطة بالكمبيالة من خلال التوقيع عليها من طرف المقام ضده. 

    وأضاف ذات القرار أن القاعدة في الأوراق التجارية إلا ينقضي بمقاضاتها الدين الأصلي فالورقة التجارية إذا ما تعرض حاملها لمرور الزمن التجاري فانه يبقى حقه في المطالبة على أساس القواعد العامة الواردة بالقانون المدني و لا يحتج ضده.

نستنتج استنادا لما سبق بيانه أن محكمة التعقيب كانت قد فرقت بين سقوط الزمن التجاري مناط الفصل 335 من الم. التجارية الذي يختلف عن سقوط الزمن العادي مناط الفصل 402 من م.ا.ع.  والاختلاف  مرده طبيعة الكمبيالة إن كانت تامة الشروط أو باطلة مستثنية إمكانية تطبيق أحكام الفصل 411 من م.اع.[18]

16- و تبعا لهذا التضارب الصارخ الذي نشأ صلب فقه القضاء يمكننا أن ننتظر قرارا من الدوائر المجتمعة الذي يعد هدفها  توحيد الآراء و ذلك بغاية تحديد قراءة وحيدة لأحكام الفصول 335 و 317 من المجلة التجارية  و 411 من م.ا.ع و 59 من م.م.م.ت لا تكون بالضرورة في صف الطرف المهمل.

17- من المؤكد أن الوصول إلى تحديد تقادم الكمبيالة تامة الشروط لم يكن بالأمر  الهين فماذا لو تعلق الأمر بكمبيالة باطلة فماهي قيمتها القانونية و كيف لذلك  أن يؤثر  على قواعد تقادمها؟

 

 

 

مبحث ثاني: تقادم الدعوى الناشئة عن كمبيالة باطلة

تكون الكمبيالة باطلة بصفتها تلك لكنها تبقى لها حجية كما أسلفنا و  لكنها بصفتها عقد فان احترامها لأحكام القانون العام واجب لا محيص عنه ضرورة أن  عدم احترامه يمكن أن ينجر عنه البطلان النسبي (فقرة أولى) كما يمكن أن يكون مطلقا(فقرة ثانية).

فقرة أولى : تقادم الدعوى الناشئة عن كمبيالة باطلة بطلان نسبي

1-يعرف شراح القانون[19] البطلان بكونه مخالفة شروط صحة و تكوين العقد ضرورة انه عقوبة مدنية تمحي أثار العقد بالنسبة للمتعاقدين و الغير بصفة رجعية .

2- هذا و قد اهتم المشرع التونسي بجزاء البطلان صلب أحكام الفصل 325 إلى 338 من م.ا.ع و خلط بين هذا الجزاء و الفسخ الذي هو عدم تنفيذ أحد الطرفين لعقد توفرن  عند تكوينه الأركان و الشروط اللازمة لصحته و هو ما تجاوزه فقه القضاء .[20]

3-تقوم النظرية التقليدية للبطلان على فكرة تدرج الجزاء المسلط على العقد بحسب خطورة الخلل الذي يعتري انعقاده و صحته فإذا تمثل الخلل في افتقار العقد إلى أحد الأركان الأساسية التي يكون له بدونها وجود فان جزاء ذلك يكون البطلان المطلق فيكون إذن و على ذلك الأساس معرضا للبطلان العقد الذي ينعدم فيه الرضا أو السبب أو المحل أو بالنسبة للعقود الشكلية الشكل الذي يشترطه .[21]

 

4- أما إذا تعلق الخلل بافتقار العقد لشروط تكتسي أهمية أقل من الشروط التي سبق ذكرها فان الحالة تعتبر ذات خطورة أقل فيجازى ذلك الخلل بالبطلان النسبي و من هذه الحالات عيوب الرضا و الغبن و الأهلية الناقصة.[22]

5- و من أهم الأمثلة على أحكام البطلان النسبي الذي يمكن أن ينطبق على الكمبيالة هو أحكام  الفصل 273 من المجلة التجارية الذي اقتضى أن الكمبيالة التي يلتزم بها القصر الذين ليسوا تجارا تكون باطلة بالنسبة اليهم بدون ان ينال ذلك من الحقوق الذي يختص بها الطرفين على معنى أحكام الفصل 13 م.ا.ع.

6- إذا كانت الكمبيالة محتوية على توقيعات من أشخاص ليست لهم أهلية الالتزام أو على توقيعات من أشخاص وهميين أو مزورة أو غيرها فذلك لا يمنع أن تكون بقية الالتزامات ماضية عليهم .

7-و يضيف هذا الفصل أن كل من وضع توقيعه على أساس انه نائب دون توكيل من نائبه أو متجاوزا حدود وكالته يكون ملتزما شخصيا بمقتضى الكمبيالة.

8-و بناءا على ذلك فان الكمبيالة تكون باطلة في حق بعض الموقعين لكنها تكون نافذة في حق البقية و لا ينقرض البطلان إلا بالتصديق أو الإجازة أو التقادم.

9- و يحكم البطلان النسبي أحكام الفصل 330 من م.ا.ع[23] و إذا ما انقرضت تلكم الآجال فذلك لا يسمح للطرف المتضرر الدفع به و يمكن للكمبيالة أن تنتج جميع آثارها.

 

2/ تقادم الكمبيالة الباطلة بطلانا مطلقا

1-تكون الكمبيالة باطلة بطلانا مطلقا إذا فقدت إحدى شروطها الجوهرية من ذلك انعدام السبب و الرضا و المحل.

2- و مثال أن تفقد الكمبيالة للرضا هو عدم توقيع المسحوب عليها بما يفقدها سندها ككمبيالة لعدم ثبوت قبولها من المدين.

3- و كذلك يكون سبب الكمبيالة بصفتها عقدا  غير جائز إذا تعاقد الطرفين بخصوص نشاط ممنوع قانونا كتجارة السلاح أو القنب الهندي .[24]

و مثال انعدام المحل هو الكمبيالات المعطاة على سبيل المجاملة.[25]

و إذا ما ثبت أن الدفع سليم فان تقادم الدعوى يرجع بالنظر لأحكام  325 من م.ا.ع.[26]

5- و اقتضى الفصل 335 من م.اع أنه يجوز لمن طولب بالوفاء بالعقد أن يحتج  ببطلانه في جميع الأحوال التي يسوغ له القيام فيها بالدعوى و لا يسقط حقه في ذلك بمرور الزمن.

6- و أخيرا يمكن القول بأن الكمبيالة و إذا ما كانت تامة الشروط فإنها تتقادم بمضي ثلاث سنوات و إذا ما انقضت تلك الآجال فلها أن تكون سند مدني له مقام الحجة الرسمية وتتقادم الدعوى الناشئة عنه بمضي 15 سنة و إذا ما كانت باطلة فإنها تكون بداية حجة بالكتابة و تختلف حجيتها بحسب طبيعة البطلان فان كان نسبيا فان الدعوى تتقادم استنادا لأحكام الفصل 330 من م.ا.ع و إن كان مطلقا فان الدعوى لا تسقط مطلقا استنادا لأحكام الفصل 335 من م.ا.ع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المراجع:

ناصر أحمد ابرهيم النشوى، أحكام التعامل بالكمبيالة والشيك في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية، 2006.

القرار التعقيبي عدد 2445 المؤرخ في 22/02/2020غير منشور و القرار الاستئنافي عدد 18963 الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس في 15/2/2020 غير منشور و القرار الاستئنافي عدد 14569 الصادرة عن المحكمة الابتدائية ببنزرت بوصفها محكمة استئناف بتاريخ 17/5/2016 غير منشور.

قانون مدني النظرية العامة للقانون النظرية العامة للحق، محمد كمال شرف الدين،مجمع الأطرش،تونس 2017.

الموسوعة الشاملة في التقادم، هشام زوين، محمود سلامة ، حسين سعد نصار،اصدار مركز الاصدارات القانونية’ 2005.


[1] ناصر أحمد ابرهيم النشوى، أحكام التعامل بالكمبيالة والشيك في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، دار الجامعة الجديدة الإسكندرية، 2006، ص12.

[2]الموسوعة الشاملة في التقادم المدني و الجنائي و الاداري، هشام زوين و محمود سلامة، المكتب الفني للاصدارات، القاهرة، ص126.

تعليق التقادم المسقط، ايمان بويحي، كلية العلوم القانونية و الاجتماعية و السياسية بتونسة2005، ص 19.[3]

البطلان، الفسخ، السقوط و الانعدام، ضو القابسي، مجمع الأطرش للكتاب المختص،2017، ص15.[4]

مجلة الالتزامات والعقود.[5]

[6]الفصل 334 من المجلة التجارية اقتضى انه إذا ورد تغيير في نص الكمبيالة فالأشخاص الموقعون عليها بعد التغيير ملزمون بما تضمنه النص الذي تناوله التغيير و الموقعون عليها قبل التغيير يكونون ملزمين بما تضمنه النص الأصلي.

القرار التعقيبي عدد 60078 مؤرخ في 15 ماي 2012، مجلة القضاء و التشريع، ديسمبر 2013،ص163.[7]

قرار عدد 3869 الصادر بتاريخ 10 ماي 2018 غير منشور.[8]

[9]  القرار التعقيبي عدد  2445 المؤرخ في 22/02/2020غير منشور و القرار الاستئنافي عدد 18963 الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس في 15/2/2020 غير منشور و القرار الاستئنافي عدد 14569 الصادرة عن المحكمة الابتدائية ببنزرت بوصفها محكمة استئناف بتاريخ 17/5/2016 غير منشور.

 مجلة الالتزامات و العقود[10]

قانون عدد 129 لسنة 1959 مؤرخ في 05 اكتوبر 1959.[11]

أمر مؤرخ في 15 ديسمبر1906.[12]

قانون مدني النظرية العامة للقانون النظرية العامة للحق، محمد كمال شرف الدين،مجمع الأطرش،تونس 2017، ص115.[13]

الموسوعة الشاملة في التقادم، هشام زوين، محمود سلامة ، حسين سعد نصار،اصدار مركز الاصدارات القانونية’ 2005، ص25.[14]

اجراءات الأمر بالدفع بين سرعة الفصل و توفير الضمانات. محمد الحبيب الشريف،دار الميزان للنشر،1998، ص45.[15]

اقتضى الفصل 449 من م.ا.ع أن الكتب غير الرسمي أذا اعترف به الخصم أو ثبتت صحته قانونا و لو الاعتراف اعتمد ككتب رسمي بالنسبة للطرفين و غيرهما.[16]

نشرية محكمة التعقيب جزء أول 2009.[17]

اقتضى الفصل 402 من م.ا.ع أن كل دعوى ناشئة عن تعمير الذمة لا تسمع بعد مضي خمس عشرة سنة عدا ما استثني بعد و ما قرره القانون في صور مخصوصة.[18]

محمد الزين،العقد ،مجمع الأطرش،ص185.[19]

رياض الرابحي،البطلان المطلق، كلية الحقوق صفاقس، 2012 ص14..[20]

البطلان،الفسخ،السقوط و الانعدام، ضو القابسي، مجمع الأطرش لكتاب 2017، ص145.[21]

محمد الزين، العقد، مجمع الأطرش، ص185.[22]

اقتضى الفصل 330 من م.ا.ع يجوز القيام بالفسخ في الصور المبينة بالفصول 8 و 43 و 58 و 61 من هذا القانون و يسقط القيام بمضي عام إلا اذا صرح القانون بمدة أخرى و سقوط الدعوى بمرور المدة لا يجري حكمه إلا في حق من انعقد بينهم الالتزام.[23]

[24] Arrêt de la Cour de Cassation Française rendu le 15/02/1990.

[25] Yves Chaput, effets de commerce chèque,  et instruments de paiement, presses universitaires, Paris, 1998.

اقتضى الفصل 325 أنه ليس للالتزام الباطل من أصله عمل و لا يترتب عليه شيء الا استرداد ما وقع دفعه بغير حق بموجب الالتزام و يبطل الالتزام و يبطل الالتزام من أصله اذا خلى من ركن من أركانه..[26]


إرسال تعليق

0 تعليقات