أخر المستجدات

Advertisement

ضوابط وحدود التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية - الأستاذ عبد الرحيم شنكاو- العدد 49 من مجلة الباحث - منشورات موقع الباحث القانوني - تقديم ذ محمد القاسمي


 ضوابط وحدود التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية - الأستاذ عبد الرحيم شنكاو- العدد 49 من مجلة الباحث - منشورات موقع الباحث القانوني - تقديم ذ محمد القاسمي


لتحميل عدد المجلة الذي يتضمن المقال بصيغته الرقمية pdf الرابط أذناه:


https://www.allbahit.com/2022/12/49-2022-30-pdf-httpsdrive.html



الأستاذ عبدالرحيم شنكاو

باحث بسلك الدكتوراه سنة رابعة -  كلية العلوم القانونية والاقتصادية

والاجتماعية -  جامعة الحسن الأول سطات

  ضوابط وحدود التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية

Controls and limits of judicial interpretation of criminal legal texts

مـلخــص:

يروم هذا المقال تبيان ضوابط وحدود التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية، بالنظر إلى أن التفسير في المادة الجنائية تحكمه مجموعة من الضوابط، والتي تختلف في جزء كبير منها عن مثيلاتها في تفسير المادة المدنية أو التجارية أو غيرهما. ذلك أن أي توسع في تفسير النصوص القانونية الجنائية قد تكون له أثار سلبية كبيرة، لأنه قد يفضي إلى إنشاء قواعد جنائية أخرى، جرائم كانت أو عقوبات، ما يجعل القاضي، والحالة هذه، يرتدي جبة المشرع، وبالتالي قد يخرق مبدأ شرعية التجريم والعقاب، في نوع من الاعتداء على صلاحيات واختصاصات السلطة التشريعية، كما قد يخرق مجموعة من المبادئ الدستورية والقانونية، كمبدأ فصل السلط، ومبدأ مطابقة التفسير للقواعد الدستورية.

  لهذا يأتي هذا المقال ليعالج إشكالية مفادها: "ما هي الضوابط التي يجب على القاضي الجنائي التقيد بها وهو بصدد تفسيره للنصوص القانونية الجنائية؟"، وتتفرع عن هذه الإشكالية جملة من الأسئلة الفرعية، وهي:

-         ما هي حدود تفسير القاضي الجنائي للنصوص القانونية الجنائية؟

-         ما هي المبادئ الدستورية والقانونية التي قد يفضي إلى خرقها التوسع في تفسير النصوص القانونية الجنائية؟

-         هل مبدأ التفسير الضيق للنصوص القانونية الجنائية مبدأ مطلق أم ترد عليه بعض الاستثناءات؟

ولمعالجة هذه الإشكالية الرئيسية، والأسئلة المتفرعة عنها،  سنقسم مقالنا إلى مبحثين:

-         المبحث الأول: تفسير النصوص القانونية، مفهومه، أنواعه، مذاهبه وبواعثه.

-         المبحث الثاني: ضوابط التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية، والاستثناءات الواردة عليه.

الكلمات المفتاح:

  التفسير الضيق -  النصوص القانونية الجنائية – فصل السلط – شرعية التجريم والعقاب – القياس.

Controls and limitations of judicial interpretation of criminal legal texts

Abstract:: This article is intended to indicate the controls and limitations of judicial interpretation of criminal rules, since the interpretation in the criminal article is governed by a set of controls, which differ in large part from the same in the interpretation of civil, commercial or other discipline Any expansion of the interpretation of criminal law rules may have significant negative effects as it may lead to the establishment of other criminal rules, crimes or penalties Which makes the judge in this case, wear the lawmaker's hat, and therefore may breach the principle of legality of criminalization and punishment in a kind of infringement of the powers and powers of the legislature, as well as a set of constitutional and legal principles as the principle of the separation of power, the principle of conformity of interpretation with constitutional norms.

This article is therefore problematic: "What controls should a criminal judge abide by while interpreting criminal legal rules?", This problem has a series of sub-questions:

-         What are the limitations of the criminal judge’s interpretation of criminal legal texts?

-         What constitutional and legal principles might be violated by the wider interpretation of criminal legal norms?

-         Is the principle of narrow interpretation of criminal legal texts absolute or does it contain certain exceptions?

-         In order to address this key problem, and the questions that have been raised about it, we will divide our article bodies of research tow chapters:

·       Chapter 1: interpretation of legal texts, concepts, types, doctrines and motives examination.

·       Chapeter2: controls and exceptions to the judicial interpretation of criminal legal texts

Key words

   Narrow interpretation - Criminal legal texts - The principle of the separation of power - The principle of legality of criminalization- Analogy

مقدمة:

   يلعب تفسير النصوص القانونية دورا جوهريا في درء ما يشوب بعض مقتضياتها من غموض أو لبس. ذلك أن بعض ألفاظ ومتون النصوص القانونية قد تحتمل أكثر من معنى أو تأويل، ما قد يؤدي إلى تضارب وتباين الأحكام والقرارات الناجمة عن تعدد هذه المعاني أو التأويلات، وهو ما يستوجب تدخل القضاء من أجل تحديد وتوحيد معناها وتأويلها، وبالتالي الرفع من منسوب اطمئنان المخاطبين بها، وتعزيز ثقتهم وأمنهم في القانون وفي القضاء أيضا.

  وإذا كان لأهل التأويل والتفسير، في المادة المدنية، صلاحيات أوسع و مجال أرحب، خصوصا في تفسير ما قد يشوب النصوص القانونية المدنية، من لبس وغموض، أو حتى نقص،  فإنهم، وفي المادة الجنائية، ملزمون بضوابط أدق، تجعل تفسيرهم مقيدا بقاعدة عدم التوسع، بالنظر لما قد يتأتى، من خلال عدم احترامهم لهذه القاعدة، من اختلاق لجرائم لم ينصص عليها القانون، أو ابتداع لعقوبات وتدابير وقائية لم يقرها المشرع، وهو ما قد يمس بأهم قاعدة يجمع حولها رجالات وفقهاء القانون، ألا وهي قاعدة شرعية التجريم والعقاب. ولعل بعض التشريعات كانت أكثر وضوحا وصرامة في التنصيص على هذا المبدأ، كالقانون الجنائي الفرنسي، والذي نص على هذا الأمر من خلال المادة 114-4[1].

  فالتوسع في تفسير النصوص الجنائية خصوصا من طرف القضاء، قد يشكل خطرا محدقا بالأمن القضائي الجنائي، حيث يضحي المخاطبون بالقواعد القانونية الجنائية مهددون، بفعل التفسير القضائي الواسع للنصوص، بجرائم وعقوبات وتدابير وقائية لم ينصص عليها المشرع بشكل مباشر، ولم يضمنها داخل تشريعاته، وذلك بدعوى اختزان قاعدة قانونية جنائية لمعنى لا يستطيع المخاطب بها إدراكه. وبالتالي، فالقاضي الجنائي، وهو بصدد أجرأة النصوص الجنائية وتنزيلها، للبت في ما يعرض عليه من قضايا ونوازل، ملزم بأن يتقيد بمجموعة من الضوابط التي تجعل تفسيره لما استشكل من قواعد تفسيرا لا يخرق مبدأ عدم التوسع في تفسير القاعدة الجنائية، وخصوصا القاعدة الجنائية الموضوعية، وبالتالي لا يخرق مبدأ الأمن القضائي الجنائي.

   وإذا كانت ترد على مبدأ عدم التوسع في تفسير النصوص القانونية الجنائية بعض الاستثناءات، فهي تبقي مؤكدة للقاعدة، ولا يمكنها بأي حال أن تفضي لخلق قواعد جنائية جديدة، سواء تعلق الأمر بالجرائم أو بالعقوبات، وحتى بالتدابير الوقائية، لأن ما يرد على الأصل من استثناء هو على سبيل الحصر وعليه أن لا يخرق مبدأ دستوريا واضحا.

    ومن المعلوم أن التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية هو جزء من تفسير النصوص القانونية عموما، سواء المدنية أو الجنائية أو غيرها، كما أنه جزء من تفسيرات عدة، كالتفسير التشريعي والفقهي. لهذا سنتطرق في المبحث الأول لدلالة تفسير النصوص القانونية عموما، مع تحديد أنواعه وبواعثه وطرقه، على أن نخصص المبحث الثاني لضوابط ومرتكزات التفسير القضائي للقواعد الجنائية، والاستثناءات الواردة عليه.

 

 

المبحث الأول: تفسير النصوص القانونية، مفهومه، أنواعه وبواعثه

     إن الغموض الذي قد يشوب بعض النصوص القانونية ومقتضياتها أحياناحياناأ، يفضى بالضرورة إلى محاولة تفسيرها ودرء هذا الغموض والإبهام عنها، لأنه لا يمكن الاحتكام إلى قاعدة قانونية تحمل تأويلات عدة، بحكم أن هذا الأمر يؤدي إلى تضارب وتباين آثارها في حالة تطبيقها على نوازل متماثلة من حيث حيثياتها وملابساتها، وهو ما قد يمس بثقة المجتمع في القانون، وفي معياريته كذلك.

  غير أن التعدد لا يشمل معاني وتأويلات النص القانوني فقط، بل هو يمتد كذلك إلى التفسير نفسه، سواء من حيث مصادره، أو من حيث مذاهبه ومدارسه، بل وحتى من حيث بواعثه وطرقه. حيث نميز في التفسير، من حيث المصدر، ما بين التفسير التشريعي، والفقهي، ثم القضائي. بينما نميز في التفسير، من حيث مذاهبه، ما بين التفسير الحرفي، والمنطقي، ثم التاريخي. أما فيما يتعلق ببواعثه، فإننا نميز ما بين حالة غموض النص القانوني أو وجود خطأ مادي أو مادي في متنه، أو وجود تناقض وتعارض بين أجزائه، أو في الحالة التي يكون فيها مشوبا بنقص أو سكوت. كما يتم تقسيم طرق التفسير إلى طرق داخلية وأخرى خارجية.

المطلب الأول:  مفهوم تفسير النصوص القانونية، أنواعه ومذاهبه

  لقد تعددت أشكال تفسير النصوص القانونية، تبعا للجهة المصدرة لهذا التفسير، وتبعا للمذهب المعتمد في التفسير والتأويل. حيث يتم التمييز ما بين كل من التفسير التشريعي، والفقهي ثم التفسير القضائي. كما يتم التمييز كذلك ما بين التفسير القائم على شرح المتون، والتفسير التاريخي، ثم التفسير الاجتماعي والعلمي.

الفقرة الأولى: دلالة تفسير النصوص القانونية وأنواعه

أولا: في مفهوم التفسير

  يشتق مصدر التفسير لغة من فعل فسر( بتضعيف حرف السين)، ونقول فسر الأمر إذ وضحه وشرحه وأبانه، ووضعه في صورة أبسط، و"فسر الشعر/القانون/ الحلم – فسر آيات القرآن الكريم: شرحها ووضح ما تنطوي عليه من معان وأسرار وأحكام".[2] كما يحيل التفسير على الشرح والبيان،[3]  بل إن التفسير قد يعني التأويل الذي هو كشف الغطاء، أي كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر.[4]

   أما اصطلاحا، فيحيل تفسير النصوص القانونية على توضيح ما أبهم من ألفاظه، وتكميل ما اقتضب من نصوصه، وتخريج ما نقص من أحكامه، والتوفيق بين أجزائه المتناقضة.[5] أي أن تفسير النصوص القانونية إما أن يأتي لإزالة غموض وإبهام عن ألفاظ نص قانوني، أو أن يكمل نصا مقتضبا ومختصرا، كما قد يأتي لاستقراء أحكام من نص لم يفصح عنها واضعوه بشكل مباشر، أو للتوفيق بين أجزاء نص متسمة بالتناقض والتضارب، أو بين نصوص متضاربة حول نفس النازلة.

   وعموما، فإن التفسير هو استثناء من الأصل، ذلك أن الأصل هو الأخذ بظاهر النصوص، كما أن المفترض في النصوص القانونية هو الوضوح، ضمانا لإحاطة المخاطبين بها بدلالتها وفحواها، وإلا أصبح القانون مصدر قلق وارتياب، عوض أن يكون مصدر أمن واطمئنان.

ثانيا: أنواع التفسير

   يتم التمييز في أنواع التفسير، من حيث الجهة المصدرة له، ما بين التفسير التشريعي الصادر عن السلطة التشريعية، والتفسير الفقهي الناجم عن شرح الأساتذة والباحثين، ثم التفسير القضائي الذي يصدر عن القضاة وهم بصدد البت في ما يرفع إليهم من قضايا.

1-    التفسير التشريعي:

    يراد بالتفسير التشريعي، ذلك التفسير الذي أناط به المشرع نفسه وحمل عبأه، حتى يضع حدا لما قد يثار من خلاف قد يهم مضمون نص أو نصوص محل تفسير. ويتم في العادة إصدار تشريع جديد من قبل المشرع يوضح فيه ما غمض من نصوص ويفك هذا الغموض. وبالتالي يصبح هذا التفسير التشريعي نافذا من تاريخ صدور القانون المتعلق به، ويضحي هذا التفسير ملزما للقاضي وهو بصدد بته في وقائع مشمولة بهذه النصوص القانونية، ولا يحق له مخالفتها، وبذلك يكون أثره رجعيا على الماضي ليشمل جميع الأحكام التي لم تكتسب بعد الدرجة القطعية عند نفاذه.[6]

   والتفسير التشريعي قد يكون أحيانا بمثابة تعريف لجريمة معينة أو لفعل معين، ويكون متضمنا داخل المدونة القانونية نفسها، حيث نجد مثلا المشرع المغربي قد عرف العنف ضد المرأة في القانون 103.13 حينما اعتبره " كل فعل مادي أو معنوي أو امتناع أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة"، كما أنه عمد إلى تفسير مختلف أنواع هذا العنف، سواء الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي، مغلقا الباب أمام أي تفسير آخر.

   ومن أمثلة التفسير التشريعي كذلك تعريف مفهوم" الموظف" داخل القانون الجنائي، حتى لا يقع الخلط مع دلالته داخل قانون الوظيفة العمومية. حيث اعتبر المشرع الجنائي أن الموظف هو كل شخص، كيفما كانت صفته، يعهد إليه، في حدود معينة بمباشرة وظيفة أو مهمة ولو مؤقتة بأجر أو بدون أجر ويساهم بذلك في خدمة الدولة، أو المصالح العمومية أو الهيئات البلدية، أو المؤسسات العمومية أو مصلحة ذات نفع عام.[7] وكذا عرف المشرع مفهوم السلاح داخل القانون الجنائي، باعتباره شاملا لجميع الأسلحة النارية والمتفجرات، وجميع الأجهزة والأدوات أو الأشياء الواخزة أو الراضة أو القاطعة أو الخانقة.[8]

2-    التفسير الفقهي:

يقصد بالتفسير الفقهي ذلك التفسير الصادر عن شارحي ومفسري القانون وهم بصدد تقديم وشرح النصوص القانونية، سواء في مؤلفاتهم أو خلال محاضراتهم وندواتهم أو لقاءاتهم العلمية. فهو يضم مجموع الآراء والدراسات والأبحاث التي يقوم بها الأساتذة والباحثون، والمتعلقة بشرح أحكام القانون.

 وإذا كان هذا النوع من التفسير غير ملزم للقضاء، ولا يتعدى إبداء الرأي بخصوص هذا النص أو ذاك من نصوص القانون، فإن هذا لا يمنع أن فائدته بالغة في إعانة القضاة على تطبيق القانون، وفي توجيه المشرع لاستكمال ما في التشريع من نقص، ولذلك كثيرا ما تستأنس المحاكم بما يكتبه فقهاء القانون، بل أحيانا ترجع عن مسلكها لتتبع ما قالوا به من رأي، وكذلك الأمر بالنسبة للمشرع حيث قد يتدخل لإصلاح ما في التشريع من نقص أو عيب أو غموض يظهره الفقهاء في كتاباتهم وشروحهم.

  ولعل ما يعكس أهمية وقيمة التفسير الفقهي هو أن الفقه، ولمدة طويلة، اعتبر مصدرا من مصادر التشريع، خصوصا في القانون الروماني، ولو أن مكانته هذه تراجعت، بحكم أن هذا النوع من التفسير يتسم بطابعه النظري، ولا يحمل صفة أو طابع الإلزام بالنسبة للمحاكم.[9]

3-    التفسير القضائي:

  إذا كان كل من التفسيرين التشريعي والفقهي يصدران غالبا عن ممارسة نظرية وبحثية، فإن التفسير القضائي هو نتاج لممارسة عملية وإجرائية. ذلك أن التفسير القضائي للنصوص القانوني يصدر عن القاضي أثناء تطبيقه وتنزيله لها وهو بصدد الفصل فيما قد يعرض عليه من قضايا، أي خلال نظره في الدعوى المرفوعة إليه للنظر فيها.

    فالتفسير القضائي للنص القانوني بهذا المعنى هو تحصيل حاصل، أي أنه وسيلة وليس هدفا في حد ذاته، بمعنى أنه لا يتم الرجوع إليه بحثا عن تفسير لنص قانوني غامض، بل هو ينجم عن النظر في قضية معروضة لا يمكن إلا البت فيها وإلا أصبح الأمر بمثابة إنكار للعدالة. كما أنه تفسير لا يحمل صفة الإلزام بالنسبة لباقي القضاة إذا ما كانت قضايا مماثلة محط أنظارهم،[10] إلا إذا كان هذا التفسير صادرا عن محكمة النقض، مما يجعله، والحالة هذه، اجتهادا قضائيا في مجال التفسير وجب اعتماده. ولعل ما يميز التفسير القضائي عن التفسير الفقهي هو أنه تفسير عملي وواقعي وليس نظري، لأنه يعطي حلال لنزاع قائم وجب البت فيه، وداخل أجل معقول.

  وإلى جانب أنواع التفسير السابقة، فإن ثمة من أضاف تفسيرا آخر، وهو ذلك الصادر عن السلطة التنفيذية وعن الإدارات التابعة لها، وهو التفسير الإداري، والذي يهدف إلى توحيد تفسير مجموعة من القواعد أو النصوص القانونية داخل الإدارة، ويكون من خلال بلاغات وتعليمات صادرة عن الإدارات العامة، وهو ملزم فقط للموظفين الذين صدر إليهم.

الفقرة الثانية: التفسير، مدارسه، بواعثه وطرقه

   يستند تفسير النصوص القانونية في الوقت نفسه إلى مذاهب وإلى بواعث. فبالنسبة للمذاهب التفسيرية فهي مذاهب لا تهم فقط تفسير النصوص القانونية، بل تهم تفسير مختلف النصوص الغامضة. ولعل من أهمها مذهب الشرح على المتون، والمذهب التاريخي، ثم المذهب الاجتماعي، فالمذهب العلمي. وأما فيما يتعلق ببواعث تفسير النص القانوني، فهي لا تعود إلى غموض النصوص القانونية ولبسها فقط، بل قد تعود للنقص والسكوت، وكذا للخطأ المادي أو المعنوي، كما قد يكون مبعثها التناقض والتعارض ما بين أجزاء النص القانوني الواحد.

أولا: مدارس التفسير

1-     مدرسة الشرح على المتون:

    يعود مذهب/مدرسة الشرح على المتون للقرن التاسع عشر في فرنسا، وقد ارتبط هذا المذهب بظاهرة تجميع أحكام القانون المدني في مجموعات قانونية - أي المدونات- مع إلزام رجال القانون وهم بصدد محاولة تفسير النص القانوني التقيد بإرادة المشرع الحقيقية أو المفترضة.[11] وهو الأمر الذي يجعل من النص القانوني نصا مقدسا، لا يمكن الاستعانة في تفسيره بأي رأي أو عرف أو اجتهاد، بل التشريع هو المصدر الوحيد والأوحد للقانون.

  فمدرسة الشرح على المتون سميت بهذا الاسم لأن فقهاءها يفسرون النصوص القانونية متنا متنا كما يفعل المفسرون في الكتب المقدسة، وهم يعتبرون أن النصوص التشريعية قد ضمت واحتوت كل القواعد القانونية، ولم تفرط فيها من شيء، مما لا يجعل من باب أمام الفقيه إلا باب استعراض هذه النصوص وتفسيرها نصا نصا. أي ضرورة التقيد بالنصوص ، أي النصوص قبل كل شيء، ثم العبرة بنية المشرع الحقيقية أو المفروضة وقت وضع التشريع، وليس باللفظ.[12]

  غير أن الأخذ بهذا المذهب في تفسير النص القانوني يجعل من هذا الأخير نصا جامدا، بحكم أنه لا يستحضر التغيرات المجتمعية، كما لا يستحضر أهم خاصية من خصائص القاعدة القانونية، والممثلة في صفة التطور، لأنها متعلقة بالمجتمع، والمجتمع في حركية وتغير دائمين، ولعل هذه أهم الانتقادات التي وجهت لهذا المذهب التفسيري.

2-     المدرسة التاريخية للتفسير:

  تؤمن المدرسة التاريخية للتفسير بفكرة التطور، حيث تذهب إلى أن القانون يشرع تبعا للوقت الذي شرع فيه، فالقواعد القانونية التي قد تصلح لفترة معينة قد لا تصلح لفترة أخرى، فإرادة المشرع تتماشى والظرفية الاجتماعية والاقتصادية التي عاشها. ولعل هذا الأمر هو ما جعل هذه المدرسة توجهها سهام نقدها للقانون الطبيعي، واعتبرته قانونا لا يستحضر التغيرات التي يعرفها الزمان والمكان.

  فالمدرسة التاريخية للتفسير، أو مذهب التطور التاريخي يعتبر أنه ليس ثمة قانون طبيعي عام ثابت لا يتغير، بل القانون في تغير دائم، وفقا لحاجيات كل مجتمع وظروفه، كما أن القانون يخضع للتطور، لأنه ليس له غاية يحققها، وليس هناك إرادة عاقلة تسيره وتكيفه.[13]

   لهذا فالأساس الذي يستند إليه في تفسير النصوص القانونية حسب المدرسة التاريخية ليس هو إرادة المشرع، والتي هي إرادة رهينة زمان ومكان صدور النص القانوني، وإنما الواقع والمستجدات التي يعرفها زمن ومكان الوقائع والنصوص القانونية المشمولة بالتفسير.

3-     المدرسة الاجتماعية للتفسير:

   يرجع هذا المذهب أساس تفسير النصوص الغامضة إلى الغاية الاجتماعية التي وجد من أجلها النص القانوني أساسا، وليس إلى السبب الذي جاءت نتاجا له، ما يستلزم العودة إلى جوهر القانون ودراسة مصادره الحقيقية من عرف وقواعد العدالة ومبادئ القانون الطبيعي، بغية تفسير ما قد يكتنف النص القانوني من غموض أو إبهام.

  وبالرغم مما قد يبدو عليه هذا المذهب من ليونة في التفسير إلا أن ما يؤاخذ عليه هو أنه ينظر إلى القانون كما لو أنه عملية آلية، مما يجعلها تعتبر غاية القانون هي فقط حفظ المجتمع وليست إقامته، الأمر الذي يجعل القانون وجها من أوجه القوة وليست وجها للحق، وبالتالي ربطه بالكفاح والنزاع من أجل تحقيق المصالح الخاصة.[14]

4-     المدرسة العلمية للتفسير:

   حاولت المدرسة العلمية للتفسير التوفيق ما بين كل من المدرستين التاريخية والاجتماعية، عبر الأخذ بإيجابيتهما واجتناب سلبياتهما. حيث تبنت فكرة استقرار معنى التشريع وثباته، مع استحضار المرونة اللازمة التي تستوجبها التغيرات التي يعرفها المجتمع، مع الإبقاء على القيمة المركزية للنص القانوني والبحث عن تفسيره ونزع اللبس والغموض عنه انطلاقا من بنية النص نفسه، بحكم أن الفقه أو القضاء لا يمكنه أن يحل محل المشرع في وضع القواعد القانونية. ويتم التفسير حسب المدرسة العلمية من خلال إعطاء النص القانوني بنيته المستقلة، واعتماد وسائل البحث العلمي والمنطق من أجل تبرير وتعليل تطبيق قاعدة قانونية واردة ضمن مقتضيات نص قانوني على نازلة أو نزاع قائم.[15]

ثانيا: بواعث التفسير وطرقه

       وبالرغم من تعدد المذاهب والمدارس المفسرة للنص القانوني، وبغض النظر عن المنطق المعتمد في الأخذ بتفسير دون آخر، فإن الباعث على التفسير لا يمتد فقط لكشف الغموض واللبس الذي يعتري النص القانوني، بل ثمة مجموعة من البواعث التي تستوجب التدخل التفسيري من أجل سد النقص الذي قد يشوب نص ما، أو الكشف عما سكت عنه المشرع وهو بصدد تشريعه، أو حتى إصلاح خطأ مادي أو معنوي قد يتضمنه النص القانوني، ناهيك عن حل إشكال التناقض والتعارض الذي قد يطال هذا الأخير.

1-     بواعث التفسير

1-1             غموض النصوص القانونية ولبسها:

   إن أولى بواعث التفسير هي عدم وضوح نص قانوني ولبسه، ذلك أن غموض نص ما يستوجب التفسير وإظهار معناه وإلا أصبحت إمكانية تنزيله وتطبيقه أمرا مستعصيا إن لم يكن مستحيلا. فكل لفظ غامض أو اعتراه اللبس لا بد له من دلالة ومعنى، لأنه مناط النص القانوني ومقتضياته هو التنزيل والتطبيق حتى يتم حل النزاعات والبت في القضايا المعروضة، بل إن القاضي ملزم بالتفسير حتى يستطيع الحكم ولا يحق له أن يرفض البت من خلال التحجج بغموض نص ما، وإلا أصبح في حكم المتهم بإنكار العدالة.[16]

1-2             النقص والسكوت:

   إذ كان ثمة خلاف حول امتداد التفسير إلى إكمال النص القانوني المشوب بالنقص، حيث تذهب المدرسة العلمية للتفسير إلى أن إكمال النقص لا يدخل في معنى التفسير بل هو اجتهاد خارج دائرة النص ويدخل في إطار البحث العلمي الحر[17]، فإن معظم المدارس والمذاهب التفسيرية الأخرى قد أجمعت على أن إكمال النقص الذي يشوب النصوص القانونية هو من مشتملات التفسير.

1-3             الخطأ المادي أو المعنوى:

  يتعلق الخطأ المادي أو المعنوي الذي قد يشوب النص القانوني بالصياغة اللغوية، سواء من حيث ركاكة الأسلوب أو من حيث الإفراط في الأساليب البلاغية، كاستعمال أسلوب الحذف أحيانا في بعض النصوص القانونية لافترض بيان ما تم حذفه تفاديا للإطناب،[18] وهو ما يستلزم التدخل من أجل إصلاح هذا الخطأ المادي، حتى يضحي النص القانوني ومقتضياته قابلة للتنزيل والتطبيق خصوصا بالنسبة للقاضي المنوط به تنزيل هذه النصوص.

1-4             التناقض والتعارض:

     قد تعرف النصوص القانونية أحيانا تعارضا فيما بينها، كما قد يعرف النص القانوني الواحد تعارضا وتناقضا ما بين أجزائه، وهو ما يتطلب حلا لهذا التضارب أو توفيقا ما بين هذه الأجزاء المتضاربة، حتى لا تتضارب الأحكام والقرارات القضائية التي استندت لمقتضيات هذه النصوص. وإذا كانت قاعدة أن القانون الخاص يقيد القانون العام، كما هو الشأن مثلا في تقييد مدونة التجارة المغربية، كقانون خاص، للقانون الجنائي، كقانون عام، لجريمة الشيك بدون مؤونة[19]، فإنه أحيانا يتعلق الأمر بنصين لهما نفس القوة، بحيث نجد أن الحكم الدال عليه النص الأول يخالف الحكم الذي قد يستنتج من النص الثاني دونما إمكانية للتوفيق بينهما وتطبيقهما معا،[20] وهو ما يجعل من حل هذا التضارب نوعا من التفسير الذي لا محيد عنه للبت في القضايا أو النزاعات الماثلة أمام القضاء.

   وعموما، فالتفسير القانوني، سواء من خلال كشف الغموض عن النصوص القانونية الغامضة، و من خلال حل التناقض ما بين أجزائها، أو عبر الكشف عن المسكوت عنه فيها وإكمال النقص الحاصل فيها، أو من خلال إصلاح الأخطاء المادية أو المعنوية فيها، يظل  عنصرا أساسيا وحاسما في تطبيق القواعد القانونية ولا يمكن الاستغناء عنه، فلا يمكن عمليا تطبيق قاعدة قانونية على واقعة ما أو نزاع ما معروض على القاضي دون تفسيرها،[21] خصوصا حينما يتعلق الأمر بالقضايا الجنائية، حيث يضحي القاضي ملزما، ليس فقط بالتفسير، بل وأيضا بعدم التوسع فيه حتى لا يمس بالأمن القضائي الجنائي.

2-     طرق التفسير:

   يستند مفسرو النصوص القانونية وهم بصدد التفسير لمجموعة من الطرق من أجل استجلاء الغموض الذي يشوبها، أو النقص الذي قد يطالها. ويتم التمييز عموما ما بين الطرق التفسيرية الداخلية، والطرق التفسيرية الخارجية.

  2-1 طرق التفسير الداخلية

    فبالنسبة لطرق التفسير الداخلية، فهي تشمل كل من القياس، والاستنتاج من باب أولى، ثم والاستنتاج بالخلف أو بالمخالفة.

-         فأما القياس فيتم من خلال إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم[22]، وهذه الطريقة وإن كان قد يؤخذ بها في المادة المدنية، فإن النصوص الجنائية غالبا ما لا تأخذ بالقياس إلا في حالات استثنائية، احتراما لمبدأ شرعية التجريم.

-         وفيما يتعلق بالاستنتاج من باب أولى فهو أن تكون ثمة حالة تم التنصيص على حكمها وتكون علة الحكم أكثر توافرا وحضورا في حالة أخرى غير منصوص على الحكم فيها، فينسب في الحالة المنصوص عليها على الحالة غير المنصوص عليها من باب أولى[23]، كما هو الحال في حالة إهانة موظف عمومي، حيث إنه إذا كان مجرد التلفظ بما يدل على إهانة ومساس بشرف الموظف العمومي يستوجب العقاب، فإنه الاعتداء أو الإيذاء المادي هو أولى بالعقاب وبالتشديد.

-          أما عن الاستنتاج بالخلف أو المخالفة فإنه يتم إعطاء حالة لم ينصص عليها حكما يعاكس الحكم في حالة نصص عليها لاختلاف العلتين، ولترابط الحالتين من حيث أن إحداها من جزئيات الأخرى، والمثال على ذلك هو تحمل المشتري  تبعة هلاك المبيع بمجرد تمام العقد حسب الفصل 493 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي، فالاستنتاج بالمخالفة هنا يكون بعدم تحمل المشتري تبعة هلاك المبيع قبل تمام العقد.

2-2 طرق التفسير الخارجية

   تشتمل طرق التفسير الخارجية على كل من الأعمال التحضيرية، وإلى ما قد يصدره المشرع من تفسيرات لاحقة لبعض القواعد أو النصوص، بالإضافة إلى المرجع الملزم، وهو ما أمر المشرع بالعودة إليه في حالة وجود فراغ تشريعي.

-          الأعمال التحضيرية تهم كل ما سبق تشريع قانون ما، كما هو الأمر بالندوات التي تعقد من طرف القضاء ورجالات التشريع حول بعض القضايا التي تشكل إشكالات مجتمعية تستوجب حلها، أو جرائم تستوجب الحد منها، كالندوات التي عقدت حول السياسة الجنائية بالمغرب في بداية الألفية الثانية[24].

-         ما يصدره المشرع من تفسيرات لاحقة فهي تكون ملزمة باعتبارها نصوصا تشريعية تضع حلا لما يثار من غموض بعض النصوص، كتحديد معنى السلاح ومعنى العنف وغيرها من المفاهيم التي قد يفضي تأويلها لتضارب الأحكام والقرارات التي استند إليها القضاء في بته.

-         المرجع الملزم أو المبادئ العليا الملزمة، فإن المشرع يضع مرجعا تتم العودة إليه في حالة وجود فراغ تشريعي، ولا أدل على ذلك من المادة 400 من مدونة الأسرة، والتي نصت على أن " كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة  والمعاشرة بالمعروف".

المبحث الثاني: ضوابط التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية والاستثناءات الواردة عليها

   إذا كان القاضي ملزم بتطبيق النص القانوني الواضح دون تغيير أو تحريف لمضمونه أو لما يترتب عنه من أحكام،[25] أي بعيدا عن أي تأويل بحكم وضوحه، فإن النص الغامض يستلزم تدخله حتى تتم إزالة هذا الغموض واللبس ويكون التعليل مؤسسا ومرتكزا. غير أن هذا التفسير، وخصوصا في المادة الجنائية، يجب أن يتسم بمجموعة من الضوابط المؤطرة والناظمة له، وإلا وجد القاضي نفسه أمام خرق لمجموعة من المبادئ والقواعد، ما قد يؤدي إلى نقض أحكامه أو قراراته.

المطلب الأول:  ضوابط تفسير النصوص القانونية الجنائية

   تقوم ضوابط التفسير القضائي للنصوص القانونية الجنائية على مجموعة من المبادئ، والتي من أهمها مبدأ الفصل بين السلط، ومبدأ سمو القواعد الدستورية، ثم مبدأ شرعية التجريم والعقاب. ويتفرع عن هذا المبدأ الأخير مبدأين فرعيين يتمثلان في كل من مبدأ منع الحكم عن طريق القياس، ومبدأ اعتماد المعنى الملائم لمقصد المشرع[26].

الفقرة الأولى:  مبدأ فصل السلطات وسمو القواعد الدستورية

   يعد كل من مبدأ الفصل ما بين السلط وسمو القواعد القانونية من أهم الضوابط التي يجب على القاضي استحضارها وهو بصدد تفسير ما قد يرد عليه من نصوص قانونية جنائية غامضة، لأن المبدأين يكرسان  على التوالي، انفراد السلطة التشريعية بالتشريع وعدم جواز أن يرتدي القاضي جبة المشرع، وهرمية القواعد القانونية وتربع القواعد الدستورية على قمتها.

أولا: مبدأ فصل السلطات

     يقصد بمبدأ فصل السلطات، توزيع وظائف للدولة على هيئات منفصلة تستقل كل منها عن الأخرى في مباشرة وظيفتها، بحيث يتحقق داخل الدولة سلطة تشريعية تتمثل وظيفتها في وضع القوانين، وسلطة تنفيذية مهمتها تنفيذ القوانين، ثم سلطة قضائية دورها الأساسي هو الفصل في النزاعات والخصومات. فهو بمثابة كفالة قدر معين لكل هيئة من الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية لمباشرة اختصاصاتها بعيدا عن الوصاية التي تمارسها إحدى الهيئات على الأخرى[27].

    وفصل السلط من المبادئ العريقة التي دعا إليها الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في كتابه الشهير"روح القوانين"، حيث أن تجميع السلطات وتداخلها يهدد الأمن بمختلف أنواعه، قانونيا كان أو قضائيا، ويكون التهديد أخطر حينما تتدخل السلطة التنفيذية أو التشريعية في القضاء، حيث تصبح الحقوق في مهب الأهواء والتعليمات، وهو ما يعصف بمبدأ الأمن القضائي.

    فهو مبدأ يروم عدم تركيز سلطات الدولة وتجميعها في يد هيئة واحدة بل توزيعها على هيئات منفصلة ومتساوية، دون أن يمنع هذا الأمر التوزيع والانفصال من تعاون ورقابة كل هيئة مع أخرى.

   ويقوم مبدأ فصل السلط على أسس ومقومات عدة، أهمها:

-         ضرورة وجود ثلاث سلط أساسية في النظام السياسي، وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، مع ضرورة تمتع كل سلطة منها بصلاحيات واختصاصات أصيلة ومحددة في القانون الأساسي[28]، في ظل استقلال نسبي لكل واحدة منها عن الأخرى في عملها وفي آليات اتخاذ القرارات، وبما يسند لها من صلاحيات.

-         عدم استئثار أي سلطة من السلطات الثلاث سابقة الذكر بصلاحيات مطلقة في تنفيذها للمهام الموكولة لها، بمعنى أن هناك ضمانا للحيلولة دون الاحتكار المطلق للسلطة في أي مجال من المجالات حتى لا يتم الاستبداد باستخدامها.

-         وجود رقابة متبادلة وفعالة بين السلطات الثلاث، بحيث تمارس كل منها صلاحياتها تحت رقابة السلطات الأخرى، ولضمان التزام كل سلطة بحدودها.

  ففصل السلطات عموما، واستقلالية السلطة القضائية تحديدا، هو أحد الضمانات والاشتراطات الأساسية التي تزرع بذور الثقة داخل المرفق القضائي، مما يسهم في إشاعة الضامن الأمن القضائي. فاستقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية تجعل القضاء لا يخضع في أحكامه إلا للقانون ولا يلزم إلا بتطبيقه، كما أن الأحكام والقرارات القضائية لا تصدر إلا على أساس التطبيق العادل والسليم للقانون[29].

ثانيا: مبدأ مطابقة التفسير للقواعد الدستورية

  يلتزم القاضي وهو بصدد تفسير النصوص القانونية الجنائية بضرورة مطابقة تفسيره هذا للقواعد الدستورية، بالنظر إلى أن القاعدة الدستورية تتسم بسموها على باقي القواعد الأخرى، وهو ما يجعل هذا المبدأ يتقاطع ومبدأ تراتبية أو هرمية القوانين. لهذا فالقاضي ملزم بتفسير النصوص الجنائية على ضوء الدستور، حتى في حالة خضوع هذا القانون للرقابة السابقة، بل إن خلو نص قانوني من التنصيص على ضمان أورده الدستور، فإن هذا الخلو لا يمكن تفسيره إلا في ظل النص الدستوري نفسه، كما يجب تطبيق المقتضيات الدستورية مباشرة لتوفير هذا الضمان[30].

  وهكذا فإن القاضي وهو بصدد تفسيره نص قانوني جنائي أن يتوخى عدم  المساس بأحد المبادئ الدستورية، أو قد يجتزئ من حق أساسي نص عليه الدستور، لأن هذا الأمر يمس بجودة الأحكام والقرارات القضائية القائمة على التعليل والتسبيب الجيدين، وبالتالي يعرضها، والحالة هذه، للنقض.

الفقرة الثانية: مبدأ شرعية التجريم والعقاب

 أولا: مبدأ شرعية التجريم والعقاب، أصوله، مفهومه والانتقادات الموجهة إليه

1-     تأصيل ودلالة شرعية التجريم والعقاب

 يعد مبدأ شرعية الجريمة والعقاب من المبادئ التي تعود للفيلسوف ورجل القانون الإيطالي "سيزاري بيكاريا"[31]،  والذي رفض تملك القضاة لسلطة التشريع والقضاء في نفس الوقت. حيث يحيل  هذا المبدأ  على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، وبالتالي فإنه لا يحق للقاضي أن يجرم فعلا أباحه القانون، ولا أن يطبق عقوبة لم يتم التنصيص عليها المشرع الجنائي، أو يتصرف فيها من حيث الحد الأدنى أو الحد الأقصى، أو من حيث ظروف التشديد أو التخفيف، ولا أن يبت بتدبير وقائي لم يقره القانون.

  وعموما، يرتكز مبدأ شرعية التجريم والعقاب، أو مبدأ الشرعية الجنائية، على أساس التوفيق ما بين حماية الحرية الشخصية أولا، عبر تبصير المخاطبين بالقانون بالحدود التي لا يجب تجاوزها عبر تحديد الأفعال المشمولة بالتجريم والعقوبات التي تجب في حالة اقترافها، ما يجعلهم في مأمن من أي تحكم من طرف القاضي الذي لا يحق له إدانة أحد إلا وفق ما نص عليه القانون تجريما وعقوبة، وبين حماية مصلحة المجتمع أو المصلحة العامة ثانيا، من خلال جعل مهمة التشريع بيد المشرع وحده[32]، لأن هذا الأخير هو من يمثل الشعب عبر ممثليهم داخل الجهاز التشريعي.

   وقد نصت مجموعة من الدساتير على هذا المبدأ، كالدستور الفرنسي لسنة 1958 الذي أكد على أن القانون هو من يحدد لجنايات والجنح والعقوبات المقررة لها والإجراءات، وكذا لدستور المصري من خلال المادة 41[33]. وهو ما أكد عليه الدستور المغربي هو الآخر، من خلال الفصل 23 من دستور 2011، وكرسته مجموعة القانون الجنائي من خلال من خلال الفصل 3، حينما اعتبرت أنه لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون، بل إن الأمر امتد حتى للتدابير الوقائية، حيث أكد الفصل 8 من القانون السالف الذكر على أنه لا يجوز الحكم بأي تدبير وقائي، إلا في الأحوال وطبق الشروط المقررة في القانون.

2-     انتقادات مبدأ شرعية التجريم والعقاب

  لم يسلم مبدأ الشرعية الجنائية من مجموعة من الانتقادات، بالرغم من تكريسه لمجموعة من المبادئ ذات الأساس الدستوري. ولعل من أهم المدارس التي انتقدته، هناك المدرسة الوضعية في علم الإجرام، والتي جسدها كل من سيزار لومبروزو وأنريكو فيري، ثم جاروفالو. حيث اعتبرت هذه المدرسة أن الأخذ المطلق بالشرعية الجنائية لا يستحضر عدم قدرة المشرع على حصر كل الجرائم المقترفة وتعريفها وتحديدها، مما يجعل مجموعة من الأفعال الجرمية تنفلت من دائرة التشريع، مما يفسح المجال أمام الأشرار الذين يجدون مساحة لاقتراف جرائمهم دونما أن تطالهم يد العدالة. كما اعتبروا أن هذا المبدأ هو مبدأ يكرس التدخل البعدي فقط، أي يتدخل بعد اقتراف الجريمة، علما أنه يجب أن يتدخل قبليا من خلال تقديره لخطورة بعض الأشخاص المعلوم خطرهم، من خلال إبعادهم عن المجتمع واستئصال خطرهم هذا[34].

  وعموما، فإن هذه الانتقادات لم تقلل من أهمية هذا المبدأ، لأنه من غير المعقول أن يتم معاقبة أشخاص لم يقترفوا أي جريمة فقط لأن حالتهم النفسية تعكس خطورتهم، كما أنه لا يمكن أن يتم اعتماد القياس على إطلاقيته، وإلا أضحى المخاطب بالقانون لا يعرف حدود أفعاله، ومدى شرعيتها.

ثانيا: المبدآن المتعلقان بشرعية التجريم والعقاب

   يتفرع عن مبدأ شرعية الجريمة والعقاب مبدأين أساسيين وهما: مبدأ منع الحكم عن طريق القياس في القضايا الجنائية، ومبدأ اعتماد المعنى الملائم لمقصد المشرع.

1-     منع الحكم عن طريق القياس في القضايا الجنائية 

   يعتبر القياس بمثابة إعطاء حالة غير منصوص عليها في القانون حكم حالة منصوص عليها لاتفاق الحالتين في العلة.[35] وإذا كان اعتماده في بعض القضايا المدنية يعد مقبولا، فإن الأخذ به في القضايا الجنائية يفضي إلى توسيع تفسير النص الجنائي، وبالتالي إلى توسيع دائرة تجريم مجموعة من الأفعال التي لم يشملها التشريع بالمنع صراحة[36]، وبالتالي المساس بمبدأ شرعية التجريم والعقاب، وبالأمن القضائي.

    فالقياس لا يمكن الأخذ به كآلية تفسيرية للقواعد الجنائية الموضوعية ما دام أنه سيفضي إلى خلق جرائم جديدة أو عقوبات وتدابير جديدة أو ظروف مشددة. وهو ما يجعل المخاطب بالقانون في حالة من اللاثقة والارتياب في علاقته  بالنصوص القانونية، وبالتالي يفقد القانون أمنه المفترض فيه.

   وقد كان للقضاء الأعلى كلمته في الحكم عن طريق القياس من خلال منع إلحاقه العقارات بالمبالغ المتحصل عليها من ارتكاب جريمة، وهو ما أكده القرار عدد 2945 الصادر عن المجلس الأعلى والذي اعتبر أن عبارة " جميع المبالغ المالية المتحصل عليها من ارتكاب الجريمة" المنصوص عليها في لفصل 11 من ظهير 21/05/1974، إنما يقصد بها النقود أو القيم المالية المنقولة وليس العقارات[37]، وهو ما عرض الحكم للنقض، بالنظر إلى أن المحكمة المصدرة للقرار قاست العقارات على المبالغ المالية، وهو م يعتبر توسع في تفسير نص قانوني جنائي، دونما البحث في كون هذه العقارات متحصل عليها بشكل مباشر من الجريمة المقترفة.

2-      مبدأ اعتماد المعنى الملائم لمقصد المشرع.

   يتطلب الغموض الذي يكتنف نصا قانونيا، حتى وإن كان جنائيا، ضرورة تدخل القاضي من أجل تفسيره وتأويله. إلا أن هذا التفسير يجب أن يستحضر الغاية التي وضع من أجلها نص قانوني ما، وهو ما يتطلب عودة القاضي إلى الأعمال التحضيرية لهذا القانون لتعرف الأسباب المنشئة له، وإلى الإرادة الحقيقية للمشرع وهو بصدد تشريعه هذا، عوض اكتفائه بالدلالة اللغوية أو اللفظية للنص المشوب بالغموض.

   ومبرر العودة إلى الغاية الأولى التي وضع من أجلها نص قانوني جنائي ما يعود لضرورة تكريس التفسير الضيق للنص الجنائي في لحظة أو تاريخ صدوره، لأن البحث عن التفسير الذي يتلاءم مع روح عصر وما يعرفه من مستجدات، قد يفضي إلى إغفال واستبعاد إرادة المشرع وبالتالي توسيع نطاق التجريم، وهو ما يعارض قاعدة التفسير الضيق والدقيق للنص القانوني[38].

   فتفسير النص القانوني الغامض إذن يجب أن يتم في حدود ما أراده المشرع في الوقت الذي وضع فيه النص، وهذا لأنه لو قام القاضي بالبحث عن الحكم الذي يتلاءم مع العصر أو الظروف متناسيا بذلك حدود ما أراده المشرع من تجريم وعقاب في التاريخ الذي صدر فيه النص التجريمي، يمكن أن يؤدي به ذلك الأمر إلى توسيع نطاق التجريم الذي يقتضيه النص، وبالتالي إلى مخالفة مبدأ التفسير الضيق للقانون الجنائي بصفة مباشرة، ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات بصفة غير مباشرة[39].

   وقد ذهبت محكمة النقض في قرارها عدد 248 :" إلى أن المحكمة لما أدانت الطاعن من أجل جنحة إهانة موظف عمومي أثناء قيامه بعمله، بسبب قيامه بسب المشتكية التي تشتغل معه كممرضة بالمستشفى بعبارة نابية، رغم أن الفعل الصادر عنه لا تنطبق عليه مقتضيات الفصل 263 من القانون الجنائي المتابع به، ودون تمحيص الواقعة المعروضة أمامها وتطبيق الوصف القانوني الصحيح، يجعل القرار المطعون فيه مشوبا بعيب نقصان التعليل الموازي لانعدامه"[40]، وهو ما يبين أن القاضي لم يستحضر المعنى الملائم لمقصد المشرع، والذي كان يهدف من خلال هذا الفصل حماية الموظف العمومي من أي اعتداء صادر في حقه من طرف المرتفقين. 

  وعموما فإن القاضي الجنائي، وهو بصدد تفسيره للقواعد المشوبة بغموض أو نقص أو تناقض أو حتى بخطأ مادي أو معنوي، يجب أن يستحضر مختلف الضوابط التي تم التطرق إليها، لأنه والحالة هذه ملزم بالتعليل إذا ما خرق قاعدة عدم التوسع، وإلا تعرض حكمه أو قراره للنقض.

  غير أن مبدأ دقة تفسير النصوص القانونية الجنائية وعدم التوسع فيه وإن كان هو القاعدة، فإنه ليس على إطلاقيته، حيث قد ترد عليه أحيانا بعض الاستثناءات، سوء تعلق الأمر بالنصوص القانونية الجنائية الموضوعية أو الإجرائية.

المطلب الثاني: الاستثناءات الواردة على قاعدة التفسير الضيق للقواعد الجنائية

   إذا كان من شروط تفسير النصوص القانونية الجنائية الدقة وضرورة استحضار مبدأ عدم التوسع من خلال اعتماد تفسير ضيق ودقيق، فإن ثمة استثناءات، لا يمكن إغفالها، ترد على هذا المبدأ، سواء تعلق الأمر بالنصوص القانونية الجنائية الموضوعية أو الإجرائية، وكذا في حالة ما إذا تعلق الأمر باعتماد التفسير الواسع أو بالاستناد إلى القياس.

الفقرة الأولى: إمكانية التوسع في تفسير النصوص الجنائية الموضوعية

أولا: في حالة التوسع في التفسير لفائدة المتهم

   إذا كان التوسع في تفسير القواعد القانونية الجنائية الموضوعية يشكل مساسا بالشرعية الجنائية كقاعدة عامة، فإن إمكانية الأخذ به يبقى أمرا ممكنا ما دام لا يحد من حرية المتهم ولا يؤدي إلى الإضرار به. فالاستثناءات التي ترد على مبدأ عدم اعتماد القياس في تفسير هذا النوع من النصوص تتعلق أساسا بتطبيقها لفائدة المتهم، حيث يضحي التوسع ولو عن طريق القياس مقبولا ما دام يروم تطبيق نصوص كتلك التي تقرر أسباب إباحة فعل ما أو موانع المسؤولية أو أعذارا قانونية مخففة[41].

    فكل شك يراود  القاضي في إمكانية انطباق نص من النصوص الجنائية على الوقائع المعروضة أمامه إلا امتنع عليه إدانة المتهم، مع وجوب ترجيحنه الشك لفائدة المتهم، وهو م يقتضي الحكم ببراءته. وقد جاء في قرار بمحكمة التعقيب التونسية لا تبنى الأحكام على الظن والتخمين، وتأسيسا على ذلك فإذا قضت المحكمة بما لا يمكن الاعتماد عليه من الحجج والمؤيدات وكان قضائها مبنيا على مجرد استثناءات لا يؤيدها الواقع، فإن حكمها يكون ضعيف التعليل ومستهدفا للنقض.[42]

 كما يدخل في هذا الأمر تفسير الشك لفائدة المتهم. بل إن النص الذي قد يشوبه غموض شديد، يستعصي معه التفسير، حيث ننتقل من مجرد الشك في تحديد إرادة المشرع إلى تعذر تحديد هذه الإرادة، يستلزم تفسيره لفائدة المتهم، حيث لا يمكن نسب التهمة إلى المتهم أو الحكم عليه بعقوبة ما، لأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص[43].

 

ثانيا: القياس القائم على الإلحاق

   يقصد بالإلحاق هنا أن يلحق القاضي أسباب التخفيف على جريمة أخرى، أو أن يلحق موجبا مبررا بموجب آخر يشترك معه في أهميته أو قيمته.

 ولعل من أهم الأمثلة على إمكانية القياس كاستثناء في القواعد الجنائية ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية، حيث عمدت إلى إلحاق جرائم النصب وخيانة الأمانة بين الأصول والفروع وبين الأزواج بجريمة السرقة، وجعل عقوبة التعويض المدني تسري على كليهما.[44] حيث والحالة هذه أن المحكمة قامت بإلحاق جريمتي النصب وخيانة الأمانة بالسرقة استنادا إلى القرابة التي هي من أسباب التخفيف، سواء تعلق الأمر بالأزواج بعضهم البعض أو بالأصول والفروع.

   كما قد يمتد القياس في حالة الدفاع الشرعي لكافة الجرائم التي ترتكب في هذه الحالة مثل التخريب والإتلاف وانتهاك حرمة ملك الغير وحبس شخص أو حجزه.[45] حيث نجد أن الفصل 328 من القانون الجنائي الفرنسي المتعلق بالدفاع الشرعي لم ينص صراحة إلا على حالة الدفاع عن الأشخاص، فقد وسع القضاء مجال تطبيقه عن طريق القياس وجعله يشمل كذلك الدفاع عن الأموال. بمعنى أنه تم إلحاق كل من الدفاع على الأموال بالدفاع على النفس.

الفقرة الثانية: التوسع في تفسير النصوص الجنائية الإجرائية

إن ضرروة مواكبة القانون للتقدم العلمي، خصوصا في مجال الإثبات الجنائي، قد تجعل القاضي يستحضر المستجدات التي قد يعرفها البحث العلمي الجنائي مثلا، وهو ما أقرته محكمة النقص المغربية في ظل القرار رقم 3/1019 حول اعتماد الدليل العلمي المتمثل في الخبرة الجينية لإثبات جرائم الفساد والخيانة الزوجية[46]. حيث أقرت اعتماد الدليل العلمي المتمثل في الخبرة الجينية لإثبات الجرائم المعاقب عليها في الفصلين 490 و491 من القانون الجنائي (الفساد والخيانة الزوجية)، وذلك زيادة على وسائل الإثبات المحددة حصراً بمقتضى الفصل 493 من القانون الجنائي.

 و قد اعتبرت محكمة النقض في هذا الصدد أن الخبرة الجينية هي دليل وحجة علمية لا يتسرب الشك إلى مدى قوتها الثبوتية، وقرينة قوية وكافية على وجود علاقة جنسية بين الطاعن والضحية، نتجت عنها ولادة، يمكن من خلالها نسبة واقعة العلاقة الجنسية إلى الطاعن. ولذلك، فإن محكمة الموضوع باعتمادها تقرير الخبرة الجينية، تكون قد مارست السلطة المخولة لها قانوناً في تفسير وتأويل النص القانوني في ضوء المستجدات والاكتشافات العلمية الحديثة، التي أصبح معها الدليل العلمي وسيلة إثبات قطعية، وآلية من آليات تفسير وتأويل النص القانوني، لا يمكن للمنطق السليم أن يتغاضى عنه متى كان حاسماً.

  ومن المعلوم أن هذا التوسع في وسائل الإثبات ونقلها من "على سبيل الحصر" إلى " على سبيل المثال" كان محل رفض من طرف محكمة النقض سابقا، حيث اعتبرت هذه الأخيرة في قرار لها أن جريمة الخيانة الزوجية لا تثبت إلا بإحدى وسائل الإثبات المحددة حصرا في الفصل 493 من القانون الجنائي، وبالتالي لا تكون المحكمة الزجرية قناعتها في ثبوت الجريمة على وسيلة إثبات أخرى غيرها حتى ولو كانت خبرة جينية قاطعة في موضوع النسب.[47]  بالنظر إلى أن هذا الأمر هو استثناء يرد على القاعدة العامة التي تكرسها الفقرة الأولى من المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية، والمتعلقة بحرية الإثبات الجنائي، والتي نصت على أنه "يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات"، وهو ما جعل المحكمة تقضي ببراءة المطلوبة واستبعاد الخبرة الجينية.

خاتمة:

  يتبين إذن، أن مبدأ عدم التوسع في تفسير النصوص القانونية الجنائية يستند لمجموعة من الضوابط التي  تبرره وتعلله، بل وتفرضه كذلك، ولعل أهمها مبدأ فصل السلط الذي يجعل من القاضي الجنائي يلتزم بدوره القضائي دونما اجتراء على الاختصاصات التشريعية، وكذا مبدأ مطابقة التفسير للقواعد الدستورية، تكريسا لسمو هذه القواعد على باقي القواعد القانونية الأخرى، ثم مبدأ شرعية التجريم والعقاب الذي يجعل من النصوص القانونية الجنائية اختصاصا خالصا للسلطة التشريعية، ما يجعل القاضي الجنائي يستبعد القياس تفاديا لخلق قواعد لم يتم التنصيص عليها، مع بحثه ومحاولة استنباطه لمقصد المشرع، وهو الأمر الذي يجعل المخاطبين بالقانون يدركون جيدا ما جرمه القانون وما أباحه، وعواقب إتيان ما لم يسمح به المشرع.

  كما يتبين أيضا أن مبدأ عدم التوسع في تفسير القواعد الجنائية قد ترد عليه بعض الاستثناءات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتفسير قد يروم المصلحة القانونية للمتهم، وعدم الإضرار به أو الحد من حريته. وكذلك حينما يتعلق الأمر ببعض النصوص القانونية الإجرائية، كاعتماد أدلة علمية قد تسهم في إثبات فعل جرمي أو نفيه.

    وعموما، فإن القاضي الجنائي، وهو بصدد تفسير ما استشكل من نصوص، ملزم باستحضار جملة من الضوابط التي تجعل تفسيره هذا متسما بالدقة وعدم التوسع، حتى لا يكون مآل أحكامه أو قراراته هو النقض حينما تعرض على القضاء الأعلى، وحتى يتم كذلك تكريس نوع من الثقة في القضاء، خصوصا القضاء الجنائي، بالنظر إلى أن التوسع الكبير في تفسير النصوص القانونية الجنائية قد يجعل المتقاضي أمام أفعال لم تكن مجرمة، أو أمام عقوبات لم ينصص عليها القانون.

المراجع:

باللغة العربية:

·    إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية- مكتبة الشروق الدولية، 2004.

·    إدريس الكريني، السلطة التقديرية للقاضي الجنائي، مطبعة التلمساني، الطبعة الأولى،2004.

·    الرزاق أحمد السنهوري، علم أصول القانون، القاهرة. مطبعة فتح الله إلياس نوري، 1935

·    عاصم جاسر خليل، منهجية البحث القانوني وأصوله: تطبيقات من النظام القانوني الفلسطيني، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن، 2012.

·    علي حسين الخلف، سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قواعد العقوبات، بغداد، دار السنهوري القانونية والعلوم السياسية، 2014.

·    عمر،أحمد مختار. معجم اللغة العربية المعاصر. المجلد الثالث. الطبعة الأولى. القاهرة. عالم الكتب. 2008.

·    فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، الشرعية الدستورية في قانون العقوبات، الشرعية الدستورية في قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثانية، القاهرة، دار الشروق، 2002.

·    فرج القصير، القانون الجنائي العام، تونس، مركز النشر الجامعي، 2006.

·    محمد ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، بدون سنة النشر.

·    محمد المدني بوساق، اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة والشريعة الإسلامية، الرياض، مركز الدراسات والبحوث، 2002

·    محمد صبري سعدي، تفسير النصوص في القانون والشريعة، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1979 .

·    يحي قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، نظرية القانون، نظرية الحق، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، القاهرة: دار كوميت للتوزيع.1997.

المجلات والتقارير:

·   التقرير السنوي لمحكمة النقض لسنة 2017، مطبعة الأمنية، الرباط، 2018

·   حاحة عبد العالي وأمال يعيش، تطبيقات مبدأ الفصل بين السلطات في ظل دستور 1996، مجلة الاجتهاد القضائي الجزائري، العدد الرابع، 2008.

·   مجلة قضاء محكمة النقض، العدد 74، مركز نشر والتوثيق القضائي، 2012

الرسائل والأطاريح:

·   عبد المهدي أحمد العجلوني، قواعد تفسير النصوص وتطبيقاتها في الاجتهاد القضائي الأردني دراسة أصولية مقارنة، أطروحة دكتوراه، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، 2005.

·   محمد كمال خميس الحولي، تفسير النصوص القانونية في التشريع الفلسطيني، رسالة لنيل ديبلوم الماجيستر في القانون العام، فلسطين، الجامعة الإسلامية – غزة، الموسم الجامعي 2017

المقالات:

·   عبد الأحد جمال الدين، تفسير النصوص الجنائية، http://urlz.fr/j9Hh

·   محمد عبد الكريم يوسف، التفسير القانوني للنصوص، http://elsada.net/107960/   

·   القانون 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، الجريد الرسمية عدد 5184 بتاريخ 14 ذو الحجة 1424 (5 فبراير 2004)، ص 418.

·   قانون الالتزامات والعقود، ظهير 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913).

·   قانون المسطرة الجنائية المغربي، ظهير شريف رقم 1.02.255 في 25 رجب 1423 (3 :توبر 2002) بتنفيذ القانون 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية.

·   مجموعة القانون الجنائي المغربي، ظهير شريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي.

·   ظهير شريف رقم 1.96.83 صادر في 15 ربيع الأول 1417 ( فاتح أغسطس 1996) بتنفيذ القانون 15.95 رقم  المتعلق بمدونة التجارة، الجريدة الرسمية عدد 4418، ص 2187.

الأحكام والقرارات القضائية:

·    القرار رقم 1019/3 بتاريخ 22/06/2021 الصادر في الملف الجنائي 1314/6/3/2018

·    القرار 1024 الصدر بتاريخ 26 اكتوبر 2011 في الملف لجنحي عدد 9526/6/3/2011 ( قرر منشور في مجلة قضاء محكمة النقض، مركز النشر والتوثيق القضائي، عدد 75، 2012، ص 314).

·    القرار عدد 248 الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 08 فبراير 2017 في الملف الجنائي عدد 9584/6/3/2016، التقرير السنوي لمحكمة النقض لسنة 2017 ، مطبعة الأمنية، الرباط، 2018، ص 120.

مراجع باللغة الأجنبية

·       Thomas weigend : la notion de tribunal impartial et indépendant en républilique fédérale d’Allemagne ; revue de science criminelle ; année 1990.

·       code pénal français, Adoption 22/07/1992 et entrée en vigueur 01/03/1994.



[1] L’article 114-4 du code pénal français : « la loi pénal est d’interprétation stricte ». sur le lien : http://www.legifrance.gouv.fr/codes/texte_lc/LEGITEXT000006070719/ ( le 16/10/2022 à 10 :20)

[2] أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصر، المجلد الثالث، الطبعة الأولى، القاهرة، عالم الكتب، 2008، ص 1707.

[3] إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية- مكتبة الشروق الدولية، 2004، ص 688.

[4] محمد ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، بدون سنة النشر، ص 3412 -3413 .

[5] الأهواني، المدخل للعلوم القانونية الجزء الأول، ص 243 (محمد كمال خميس الحولي، تفسير النصوص القانونية في التشريع الفلسطيني، رسالة لنيل ديبلوم الماجيستير في القانون العام، فلسطين، الجامعة الإسلامية – غزة، الموسم الجامعي 2017).

[6] علي حسين الخلف، سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قواعد العقوبات، بغداد، دار السنهوري القانونية والعلوم السياسية، 2014، ص 38.

[7] الفصل 224، مجموعة القانون الجنائي المغربي، ظهير شريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية1382 ( 26 نونبر 1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي.

[8]  مجموعة القانون الجنائي المغربي، الفصل 303.

[9] يحي قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، نظرية القانون، نظرية الحق، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، القاهرة: دار كوميت للتوزيع، 1997،، ص 151.

[10] يحي قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، نظرية القانون، نظرية الحق، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 150.

[11] عاصم جاسر خليل، منهجية البحث القانوني وأصوله: تطبيقات من النظام القانوني الفلسطيني، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن، 2012، ص 107.

[12] عبد الرزاق أحمد السنهوري، علم أصول القانون، مطبعة فتح الله إلياس نوري، 1935، ص 17-18

[13] عبد الرزاق أحمد السنهوري، علم أصول القانون، مرجع سابق، ص 32.

[14] عاصم جاسر خليل، منهجية البحث القانوني وأصوله: تطبيقات من النظام القانوني الفلسطيني، دار الشروق للنشر والتوزيع، الأردن، 2012.، ص 109.

[15] عاصم جاسر خليل، منهجية البحث القانوني وأصوله: تطبيقات من النظام القانوني الفلسطيني، مرجع سابق، ص 107.

[16] حيث ينص الفصل 240 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على أن "كل قاض أو موظف عمومي، له اختصاصات قضائية، امتنع عن الفصل بين الخصوم لأي سبب كان، ولو تعلل بسكوت القانون أو غموضه...يمكن ن يتابع ويحكم عليه بغرامة من مائتين وخمسين درهما إلى ألفين وخمسمائة درهم على الأكثر، وبالحرمان من تولي الوظائف العمومية من سنة إلى عشر سنوات".

[17] عبد المهدي أحمد العجلوني، قواعد تفسير النصوص وتطبيقاتها في الاجتهاد القضائي الأردني دراسة أصولية مقارنة، أطروحة دكتوراه، كلية الدراسات العليا، الجامعة الأردنية، 2005، ص 142.

[18] كما هو الأمر في المادة 283 من مدونة الأسرة التي اعتبرت أن من شروط الموصى له "عدم قتله للموصى عمدا إلا إذا أوصى له من جديد"، والتي افترضت عدم وفاة الموصي ونجاته رغم محاولة القتل التي تعرض لها من طرف الموصى له.

[19] حيث يخضع هذا الفعل لتنظيم كل من مدونة التجارة من خلال المادة 316 وللقانون الجنائي من خلال الفصل 543.

[20] محمد عبد الكريم يوسف، التفسير القانوني للنصوص، على الرابط http://elsada.net/107960/.   (بتاريخ 04/09/2022 على الساعة 16:27)

[21] محمد صبري سعدي، تفسير النصوص في القانون والشريعة، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، 1979 ، ص 21

[22] يحي قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، نظرية القانون، نظرية الحق، دراسة مقارنة،  مرجع سابق، ص 153

[23] يحي قاسم علي، المدخل لدراسة العلوم القانونية، نظرية القانون، نظرية الحق، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 155

[24] أنظر : ندوة ""السياسة الجنائية بالمغرب: واقع وآفاق"، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 3، 2004.

[25] فرج القصير، القانون الجنائي العام، تونس، مركز النشر الجامعي، 2006، ص 41.

[26] فرج القصير، القانون الجنائي العام، مركز النشر الجامعي، تونس، 2006، ص 42-43

[27] حاحة عبد العالي وأمال يعيش، تطبيقات مبدأ الفصل بين السلطات في ظل دستور 1996، مجلة الاجتهاد القضائي الجزائري، العدد الرابع، 2008، ص: 255.

[28] Thomas weigend : la notion de tribunal impartial et indépendant en républilique fédérale d’Allemagne, revue de science criminelle ; année 1990 ; p : 742

[29] وهذا ما أكد عليه الفصل 10 من الدستور المغربي الذي تم تعديله سنة 2011.

[30] فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، الشرعية الدستورية في قانون العقوبات، الشرعية الدستورية في قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثانية، القاهرة، دار الشروق، 2002.ص 97.

[31] محمد المدني بوساق، اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة والشريعة الإسلامية، الرياض، مركز الدراسات والبحوث، 2002، ص 29.

[32] فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، مرجع سابق، ص 32

[33] فتحي سرور، القانون الجنائي الدستوري، مرجع سابق، ص 72.

[34] فتحي سرور، مرجع سابق، ص 34-35.

[35] علي حسين الخلف، سلطان عبدالقادر الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات، المكتبة الجامعية، بغداد، 2006، ص45

[36] فرج القصير، القانون الجنائي العام، مركز النشر الجامعي، تونس، 2006، ص 42

[37] القرار عدد 2945، صادر بتاريخ 29 دجنبر 2010، في الملف الجنحي عدد 5091/6/7/2006 ، منشور بمجلة قضاء محكمة النقض، العدد 74 ، مركز نشر والتوثيق القضائي، 2012، ص 21.

[38] فرج القصير، القانون الجنائي العام، مركز النشر الجامعي، تونس، 2006، ص 44.

[39] فرج القصير، القانون الجنائي العام، مرجع سابق، ص 44.

[40] القرار عدد 248 الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 08 فبراير 2017 في الملف الجنائي عدد 9584/6/3/2016، التقرير السنوي لمحكمة النقض لسنة 2017 ، مطبعة الأمنية، الرباط، 2018، ص 120.

[41] فتحي سرور، مرجع سابق،  ص 101.

[42] إدريس الكريني، السلطة التقديرية للقاضي الجنائي، مطبعة التلمساني، الطبعة الأولى، 2004، ص 269.

[43] فتحي سرور، مرجع سابق،  ص 100.

[44] فتحي سرور، مرجع سابق،  ص 102.

[45] عبد الأحد جمال الدين، تفسير النصوص الجنائية، على الرابط: http://urlz.fr/j9Hh  ( تاريخ الاطلاع 09/09/2022 على الساعة 19:19 ).

[46] القرار رقم 1019/3 بتاريخ 22/06/2021 الصادر في الملف الجنائي 1314/6/3/2018

[47]  القرار 1024 الصدر بتاريخ 26 اكتوبر 2011 في الملف لجنحي عدد 9526/6/3/2011 ( قرر منشور في مجلة قضاء محكمة النقض، مركز النشر والتوثيق القضائي، عدد 75، 2012، ص 314).


إرسال تعليق

0 تعليقات